لم تعد الحدود اللبنانية-السورية مجر د منطقة هشّّ ة بين دولتين متجاورتين عانتا الحروب والصراعات وتأكّّل المؤسسات الرسمية المسؤولة عن إدارتها في كّلا البلدين، بل تحوّلت في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان وتوسّ عها المطّرد إلى خط اضطراب حساس، تتقاطع عنده حسابات سورية الأمنية مع مخاوف لبنان من الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تكون هذه الحدود مسرحاا محتملا ا لها؛ فالتطورات المتسارعة في المنطقة، لا سيما مع انخراط حزب ا لله في المواجهة الإقليمية التي أعقبت الهجوم الأميركّي-الإسرائيلي على إيران في أواخر شباط/ فبراير الماضي، أعادت تحميل هذه الحدود أبعاداا أمنية وسياسية تتجاوز الإطار التقليدي لإدارة الحدود بين دولتين "شقيقتين".
لقد كّشّفت الوقائع الميدانية الأخيرة على طول الشّريط الحدودي بين الدولتين عن هذه التحوّلات بوضوح؛ فالإنزال الإسرائيلي في بلدة لبنانية حدودية مع سورية، وحادثة إطلاق القذائف في محيط سرغايا، والتعزيزات العسكرية السورية في عدد من النقاط الحدودية، وسلسلة الاتصالات السياسية التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشّرع بمسؤولين لبنانيين وعرب ودوليين، كّلها مؤشرات على أن ملف الحدود ما عاد مقتصر ا على الشّأن الروتيني ا كّضبط المعابر أو مكافحة التهريب، بل أصبح جز ءً ا ا من تفاعلات إقليمية أوسع ترتبط بمستقبل الحرب الدائرة في المنطقة وباحتمالات اتساعها.
في هذا السياق، لا تنظر الحكومة السورية إلى ما يجري على هذا الجانب اللبناني من الحدود على أنه شأن لبناني ءًبحت، بل من زاوية خشّيتها من أن تصبح هي نفسها جزا من جبهة إضافية في حال توسع نطاق الحرب. في المقابل، ا يخشّى لبنان أن يتحو ّ ل أي احتكاك حدودي أو تفلت عسكري إلى عامل إضافي لتوسيع الحرب التي يعيشّها أصلا ا نتيجة العدوان الإسرائيلي الواسع على جنوب لبنان وصولا ا إلى العاصمة بيروت. بين هاتين المقاربتين، قد تجد إسرائيل في استمرار الهشّاشة الأمنية على الحدود اللبنانية-السورية فرصة لتوسيع هامش الضغط على حزب الله، أو لإعادة تشّكيل البيئة الأمنية في المنطقة بما يخدم استراتيجيتها العسكرية.
انطلاقاا من هذا، يسعى تقدير الموقف هذا إلى تحليل موقع الحدود اللبنانية-السورية في سياق التحوّلات الإقليمية الراهنة، من خلال قراءًة تطور هذا الملف تاريخيًا، وفهم التحولات التي طرأت عليه بعد سقوط نظام الأسد، وتحليل الهواجس الأمنية لكل من سورية ولبنان في المرحلة الحالية، وصولا ا إلى استشّراف السيناريوات المحتملة لمستقبل هذه الحدود في ظل توسع الحرب والعدوان.
يصعب مقاربة ما يجري اليوم من دون العودة إلى الطبيعة التاريخية الخاصة للحدود اللبنانية-السورية. فهذه االحدود لم تكن منذ نشّأتها حدود ا صلبة بين كّيانين منفصلين بالكامل، بل خرجت من إرث الانتداب الفرنسي، وهي تحمل في داخلها قدر ا ا كّبير ا ا من الالتباس السياسي والاجتماعي والجغرافي.
لقد ظل ّ جز ءً واسع من المناطق الحدودية، الممتد عبر سلاسل جبلية ووديان وبلدات متداخلة، فضا ءً ا مفتوح ا أكّثر ا امنه خطًا فاصلا. وكّانت العلاقة بين السكان على جانبي الحدود، لا سيما في البقاع، والقلمون، وريف حمص، وعكار، والهرمل، أقرب إلى الامتداد الاجتماعي والاقتصادي منها إلى علاقة جوار بين مجتمعين منفصلين.
هذه الطبيعة الخاصة للحدود جعلت إدارتها منذ الاستقلال أمراا ملتبسا ا، فملف ترسيمها ظل ّ ناقص ا في أكّثر من ا نقطة، وكّانت القدرة على الضبط الميداني محدودة، فيما بقيت المعابر غير الشّرعية جزءًاا بنيويا من الاقتصادات المحلية ومن شبكات النفوذ.
لكن العامل الحاسم في جعل هذه الحدود أكّثر تعقيد ا كّان المسار السياسي للعلاقة بين الدولتين. فمنذ دخول ا القوات السورية لبنان في عام 1976، ثم خلال مرحلة الوصاية والهيمنة السورية حتى عام 2005، لم تُدَر الحدود بوصفها حدود ا بين دولتين كّاملتي السيادة، بل بوصفها جز ءً ا ا من مجال سياسي وأمني واقتصادي واحد تتحكم دمشّق ا في مفاصله الأساسية. لذلك، لم يكن ضبط الحدود أولوية لبنانية ولا سورية، بل كّان المطلوب في كّثير من الأحيان الإبقا ءً على هذا الالتباس لأنه يخدم شبكات السيطرة والحركّة والنفوذ.
بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في عام 2005 ، بدأ ملف الحدود يبرز بقوة أكّبر في النقاش السياسي اللبناني، لكن ليس باعتباره ملفًا سياديًا وإداري ً ا وحسب، بل باعتباره جز ءً ا ا من إعادة تعريف العلاقة مع سورية بعد االوصاية أيضا. إلا أن هذا النقاش بقي أسير الانقسام اللبناني الداخلي، بين من أراد مقاربته من زاوية السيادة الكاملة وضبط المعابر، وم ن ظل يتعامل معه من زاوية الحاجة إلى إبقا ءً هامش واسع للحركّة، سوا ءً لاعتبارات سياسية مرتبطة بعلاقة حزب الله مع النظام السوري، أو لاعتبارات محلية واقتصادية مرتبطة بواقع المناطق الحدودية وشبكات التهريب.
ثم جاءًت الثورة السورية في عام2011 فمنحت الحدود وظيفة جديدة أكّثر خطورة. فقد تحوّلت إلى ممر للمسلحين، والسلاح، والتمويل، وعبور اللاجئين، والمواد المهربة، وخرجت السيطرة عليها من يد الدولتين بدرجات متفاوتة . وبذلك ما عادت الحدود مجر ءًد منطقة هشّّ ة، بل صارت جز ّا من تشّك ل الحرب السورية نفسها. هذا الإرث هو الذي يفسر لماذا لا ّ ا ينظر اليوم إلى أي تحرك عسكري أو أمني على طول هذه الحدود بوصفه إجرا ءً ا تقنيًا فحسب، بل باعتباره فعلا ا سياسيًا ذا دلالات إقليمية أيضا ا.
في هذا السياق، برزت محاولات دولية لمساعدة الحكومة اللبنانية على تعزيز قدرتها على ضبط الحدود. ومن أبرز هذه المحاولات المشّروع الذي دعمته بريطانيا ابتدا ءً ا منذ عام2014 لإنشّا ءً شبكة من أبراج مراقبة عسكرية على طول أجزا ءً من الحدود الشّرقية والشّمالية للبنان، مجه ّ زة بكاميرات حرارية وأنظمة رصد متطورة. وقد ساهمت هذه الأبراج في تحسين قدرة الجيش اللبناني على مراقبة التحركّات في المناطق الحدودية الوعرة والكشّف المبكر عن عمليات التسلل والتهريب. إلا أن تأثيرها بقي محدوداا نسبي ا، لأن المشّكلة الحدودية لم تكن تقنية فحسب، بل كّانت مرتبطة ابطبيعة التداخل الجغرافي والاجتماعي أيض ا، وبوجود شبكات تهريب وفاعلين غير دولتيين يصعب ضبط حركّتهم بالكامل.
أحدث سقوط بشّار الأسد ونظامه تحوّلا ا مهمًا في المقاربة السورية لملف الحدود مع لبنان؛ فالإدارة السورية الجديدة لم ترث دولة منهكة ومجالا ا حدوديا هشًّ ا فحسب، بل ورثت إرثاا ثقيلا ا أيضا ا من علاقة غير متوازنة مع لبنان، ومن استخدام الحدود ممر ّ ات نفوذ وتداخل أمني. لذلك، كّان من الطبيعي أن يظهر في خطاب القيادة الجديدة ميل واضح إلى إعادة تعريف وظيفة الحدود، وما عادت دمشّق تريدها مجالا ا للهيمنة، ولا ساحة لإدارة الداخل اللبناني، بل خطًا يجب تحصينه لمنع انتقال الأخطار إلى سورية ومنع عودة استخدامه لمصلحة شبكات حليفة لإيران.
هذا التحوّل ظهر في الخطاب الرسمي للقيادة السورية الجديدة ، فالمقاربة الجديدة تقوم على أربع أفكار مترابطة. الأولى، أن سورية لا تريد التدخل في لبنان، ولا تنوي استخدام حضورها أو جغرافيتها لاستعادة نمط الوصاية السابق. الثانية، أن أمن الحدود بات مسألة سيادية سورية مباشرة مرتبطة بشّرعيتها الدولية كّما استقرارها الداخلي، لا مجرد تفصيل إداري يمكن التراخي حياله. والثالثة، أن استقرار لبنان مهم لسورية، لكن هذا لا يعني قبول دمشّق بأن تصبح حدودها مع لبنان منفذاا لتسلل الفوضى أو السلاح أو الصراعات الإقليمية.
لم تكن التطورات الحدودية الأخيرة مجرّد حوادث أمنية موضعية، بل تعكس مستوى متزايداا من الحساسية التي باتت تحيط بالحدود اللبنانية-السورية في ظل الحرب الإقليمية الجارية. فقد شكّل الإنزال الإسرائيلي في منطقة لبنانية تقع على الحدود الشّرقية مع سورية وحادثة سقوط القذائف في محيط سرغايا، وما أعقبهما من تعزيزات عسكرية سورية في عدد من النقاط الحدودية، مؤشرا إلى أن هذه الحدود باتت تُقرأ من جانب الأطراف المعنية ضمن سياق ا أوسع يتجاوز البعد الأمني التقليدي.
فبالنسبة إلى دمشّق، لا تقتصر دلالات هذه الحوادث على مسألة ضبط الحدود أو الرد على خروقات محدودة، بل ترتبط بقلق متزايد من احتمال انتقال تداعيات الحرب الإقليمية إلى الداخل السوري أيض ا ا، سوا ءً عبر تحر ّ كّات مرتبطة بحزب الله أو عبر محاولات إسرائيلية لفتح مسارات ضغط إضافية في المنطقة. من هذا المنظور، يمكن فهم التعزيزات ءًالعسكرية السورية الأخيرة بوصفها جزا من مقاربة احترازية تهدف إلى منع تحول المناطق الحدودية إلى مساحة ا يمكن أن تُستخدم لتوسيع نطاق المواجهة.
في المقابل، ينظر لبنان إلى هذه التطورات بقدر كّبير من الحذر، إذ تخشّى بيروت أن يؤدّي أي احتكاك حدودي أو سو ءً تقدير عسكري إلى فتح مسار إضافي للحرب في وقت يواجه البلد تصعيداا عسكريًا مستمرًا على جبهته الجنوبية مع إسرائيل. لذلك، سعت السلطات اللبنانية إلى احتوا ءً حادثة سرغايا بسرعة عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية، في محاولة لمنع تحوّلها إلى أزمة سياسية أو أمنية بين البلدين.
تعكس التطورات الأخيرة على الحدود اللبنانية-السورية تقاطعاا واضحاا بين الحسابات الأمنية السورية ومخاوف لبنان من اتساع نطاق الحرب الإقليمية. بالنسبة إلى دمشّق، يرتبط هذا الملف بقلق متزايد من احتمال انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل السوري. فإلى جانب التخوف من أي تحر ك عسكري مرتبط بحزب الله عبر الشّريط الحدودي، تنظر القيادة السورية بقلق إلى النشّاط العسكري الإسرائيلي المتزايد في مناطق البقاع القريبة من سورية. وتشّير التقديرات في دمشّق إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في هذه المنطقة، سوا ءً عبر ضرب البنى العسكرية للحزب أو عبر تنفيذ عمليات إنزال محدودة تستهدف مواقع محددة في عمق محافظة البقاع.
في بعض السيناريوات التي تُتَدَ اول في الأوساط الأمنية، يبرز احتمال تحرّك إسرائيلي انطلاقاا من منطقة مرصد جبل الشّيخ في اتجاه البقاع الغربي، الأمر الذي قد يجعل قوات الاحتلال الإسرائيلي أقرب جغرافي ا إلى دمشّق ويمنحها قدرة أكّبر على الإشراف الميداني على مساحات من الأراضي السورية. كّما يُطرح احتمال أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت نقاط موقتة أو حضور عسكري على المرتفعات الجبلية في السلسلة الشّرقية، بما يتيح لها مراقبة المجالين اللبناني والسوري في آنٍ .
من هذا المنظور، تنظر دمشّق إلى البقاع بوصفه منطقة شديدة الحساسية في التوازنات العسكرية الحالية؛ إذ تخشّى أن يؤدي استمرار وجود بنى عسكرية لحزب الله في تلك المناطق، إلى توفير ذريعة إضافية لإسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية هناك. لهذا السبب، تضغط سورية منذ فترة على لبنان من أجل اتخاذ خطوات أكّثر جدية للتعامل مع هذا الملف وتفكيك بعض البنى العسكرية لحزب الله في منطقة البقاع، انطلاق ا ا من تقدير مفاده أن إسرائيل قد تستغل وجود هذه البنى ومخازن الأسلحة هناك لتوسيع نطاق عملياتها والإطباق أكّثر على سورية ولبنان معاا.
في المقابل، ينظر لبنان إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل حساسية؛ فالدولة اللبنانية، التي تواجه أصلا ا عدواناا عسكريًا موسّ ع ا في جنوب لبنان ومناطق أخرى وصولا ا إلى العاصمة بيروت، تخشّى أن يؤدي أي توتر على ا الحدود الشّرقية إلى فتح مسار إضافي للحرب في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب. كّما أن التاريخ المعقد للعلاقة السورية-اللبنانية يجعل أي انتشّار عسكري سوري قرب الحدود عرضة لتفسيرات متباينة في الساحة اللبنانية، حيث يُقرأ أحياناا ضمن سياق أمني دفاعي، وأحياناا أخرى ضمن هواجس سياسية مرتبطة بمرحلة الوصاية السورية السابقة.
في موازاة هذه التطورات، بدأ يتشّكل تدرّجاا نمط جديد من قنوات التنسيق بين لبنان وسورية بعد سقوط نظام الأسد، يقوم على إدارة المخاطر الحدودية أكّثر مما يقوم على بنا ءً سياسة حدودية مشّتركّة متكاملة. فالتواصل بين المؤسستين العسكريتين، إلى جانب الاتصالات السياسية بين المسؤولين في البلدين، يعكس إدراكّاا متزايداا لدى الطرفين بأن أي توتر غير مضبوط على الحدود قد يتحوّل سريع ا ا إلى عامل إضافي لتعقيد المشّهد الإقليمي.
بنا ءً عليه، يبدو أن هذا النمط من التنسيق يتجه تدرّجاا من مجرد تبادل معلومات أو احتوا ءً حوادث موضعية إلى محاولة غير معلنة لبنا ءً آلية احترازية لمنع انتقال تداعيات الحرب الإقليمية إلى هذه الحدود. مع ذلك، لا تزال هذه القنوات التنسيقية محدودة بضعف الثقة السياسية بين البلدين وبالهشّاشة البنيوية لإدارة الحدود. لذلك، يبقى نجاح هذا المسار مرهون ا ا بقدرة الطرفين على تحويل التنسيق الظرفي الحالي إلى مقاربة أكّثر استقرار ا لإدارة الشّريط الحدودي، بما يحد ّ من احتمالات تحوّله إلى نقطة اشتعال إضافية في سياق الصراع الإقليمي.
1. سيناريو الاحتواء المنظم
يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومتين في دمشّق وبيروت، بدعم عربي ودولي ضمني، في تثبيت قواعد ّاشتباك حدودية غير معلنة حيث لا تدخل سوري في لبنان، ولا استخدام منظم للحدود من جانب حزب الله أو غيره ضد سورية، مع استمرار التواصل بين الجيشّين، واحتوا ءً سريع للحوادث الميدانية.
في هذا السيناريو، تتحوّل الحدود إلى خط توت ّ ر مضبوط، لا إلى خط مواجهة. ويكون هذا الخيار هو الأكّثر واقعية إذا استمر ّ ت القيادة السورية في سياسة التحييد، وإذا وجدت الدولة اللبنانية مصلحة في تطوير التنسيق الأمني مع دمشّق، وإذا تراجعت قدرة إيران في توسيع الحرب.
2. سيناريو التوترات المحدودة والمتكررة
تعتبر الهشّاشة البنيوية للحدود، واستمرار الحرب، وبقا ءً حزب الله لاعباا عسكريًا أساسي ً ا، عوامل تجعل من المرجّح تكرار حوادث من نوع سقوط قذائف، أو مناوشات، أو اتهامات متبادلة، أو تحركّات عسكرية محدودة على جانب َ ي الحدود.
في هذا السيناريو لا تنفجر الحدود بالكامل، لكنها تبقى مصدراا دائما ا للقلق، ويزداد فيها منطق إدارة الأزمات بدل حلّها. وخطورة هذا أنه قد يراكّم طبقات من عدم الثقة بين الطرفين، ويمنح إسرائيل فرصة استثمار أي حادث لتوسيع عدوانها للضغط على كّل من لبنان وسورية. ونظر ا إلى الظروف الراهنة يعتبر هذا السيناريو الأكّثر ترجيحاا.
3. سيناريو الاختراق الإسرائيلي للمنطقة الحدودية
يفترض هذا السيناريو أن توسع إسرائيل عدوانها إلى مرحلة أكّثر هجومية في منطقة البقاع والمناطق القريبة من سورية، سوا ءً عبر عمليات إنزال، أو عمليات خاصة، أو ضربات نوعية متكررة، أو محاولات تثبيت مواضع نار وسيطرة على مرتفعات حس ّ اسة. في هذه الحالة، تصبح الحدود اللبنانية-السورية مجالا ا عملياتيًا مزدوجاا، ساحة حرب ضد حزب الله، ومجال ضغط على سورية نفسها.
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة مواجهة سورية-إسرائيلية مباشرة، لكنه يرفع احتمالات الاحتكاك، ويدفع دمشّق إلى اتباع مزيد من العسكرة على الحدود، وقد يضع لبنان أمام مستوى جديد من الحرب لا يقتصر على الجنوب.
4. سيناريو التحرّك السوري باتجاه لبنان والسيطرة على منطقة عازلة في البقاع
ينطلق هذا السيناريو ممّا ترد د عن تقارير حول تشّجيع أميركّي نحو دفع سورية إلى الدخول نحو المناطق الحدودية اللبنانية في سهل البقاع لنزع سلاح حزب الله والسيطرة على تلك المناطق، الأمر الذي لم يلق حتى الساعة التجاوب المطلوب من الجهات السورية؛ فالجانب السوري متوجّس من فكرة التدخل في لبنان ومن الانخراط في الحرب الحالية، وتبقى احتمالية حدوث هذا السيناريو موجودة نظري ً ا إلا أنه يبقى غير مرج ّ ح في المرحلة الراهنة لتبعاته السياسية والعسكرية السلبية.
تكشّف التطورات الأخيرة أن الحدود اللبنانية-السورية دخلت مرحلة جديدة من الحساسية الأمنية والسياسية، إذ لم تعد مجرد ملف إداري يتعلّق بضبط المعابر أو مكافحة التهريب، بل أصبحت إحدى النقاط التي تتقاطع عندها تداعيات الحرب الإقليمية الجارية في المنطقة. فالتداخل بين الحسابات الأمنية السورية، ومخاوف لبنان من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، واحتمالات سعي إسرائيل إلى استثمار هشّاشة البيئة الحدودية وتوسيع عدوانها، تجعل من هذه الحدود مساحة شديدة التأثّر بتطوّرات الصراع الدائر في المنطقة.
في هذا السياق، تبدو الحدود اللبنانية-السورية مرشّ حة لأن تبقى خلال المرحلة المقبلة إحدى الجبهات الهشّّ ة في المشّهد الإقليمي، ليس بالضرورة بوصفها ساحة مواجهة مباشرة، بل باعتبارها منطقة احتكاك محتملة يمكن أن اتتأثّر سريع ا بأي تصعيد عسكري أو سياسي في المنطقة. فالهشّاشة البنيوية التي طبعت إدارة هذه الحدود تاريخيًا، إلى جانب استمرار وجود فاعلين غير دولتيين وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، تجعلها عرضة لأن تتحوّل إلى مساحة ضغط إضافية ضمن الحسابات الاستراتيجية للقوى المنخرطة في الحرب.
انطلاقا ا من هذا، فإن إدارة الحدود اللبنانية-السورية خلال المرحلة المقبلة ستشّكّل اختباراا مهم ً ا لقدرة الدولتين على منع تحو لها إلى ساحة إضافية للحرب الإقليمية. فنجاح بيروت ودمشّق في تطوير قنوات تنسيق أمني فعّ الة وتعزيز ضبط المنطقة الحدودية قد يساهم في احتوا ءً تداعيات الحرب ومنع انتقالها إلى هذه الجغرافيا الحسّ اسة. في ّالمقابل، قد يؤد ي استمرار الهشّاشة الأمنية وغياب آليات تنسيق مستقر ّ ة إلى زيادة احتمالات الاحتكاك، أو إلى فتح المجال أمام قوى إقليمية للاستثمار في التوت ّ رات الحدودية بما يخدم حساباتها في الصراع الدائر.
في المحصلة، لن يتحد ّ د مستقبل الحدود اللبنانية-السورية بميزان القوى العسكري في المنطقة فحسب، بل بمدى قدرة الدولتين على إعادة تعريف إدارة هذه الحدود أيض ا ا في إطار من التنسيق الأمني والسياسي يحد ّ من هشّاشتها المزمنة، ناهيك بقدرة البلدين على مقاومة المخط ّ طات الدولية والإسرائيلية تجاهها، بما يحول دون تحوّل الحدود إلى إحدى نقاط الاشتعال المحتملة في حرب إقليمية لم تت ّضح حدودها النهائية بعد.