دخل العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان شهره الثاني، بعد انطلاقه في 2 آذار/مارس 2026 الماضي، من دون أن يرافق تصاعده الميداني مسار ٌ سياسي ٌ أو دبلوماسيموا زٍ ٍ قادر على احتواء الحرب. فلا تزال العمليات العسكرية تشكّل العامل الحاسم في رسم اتجاهات المواجهة، بينما بقيت التحركات الدبلوماسية محدودة الأثر حتى الآن. بناء عليه، تقتضي قراءة مجريات الشهر الأول من الحرب الوقوف عند حصيلته الميدانية والسياسية، سواء لناحية الأهداف التي تحرّك الطرفين، أو لناحية ما أفضت إليه المعركة فعليًا على الأرض، وفي الداخل اللبناني.
بادر حزب الله في 2 آذار/مارس 2026، إلى إطلاق دفعة من الصواريخ والمسيّرات باتجاه موقع "مشمار الكرمل" للدفاع الصاروخي جنوب حيفا، معلنًا فتح الجبهة من لبنان تحت عنوان "الثأر لخامنئي والدفاع عن لبنان". لكن إسرائيل سرعان ما شنّت هجومًا واسعًا وعدوانا شاملا ً على لبنان ممسكة بإيقاع الحرب، نظرا إلى الفارق الهائل في الإمكانات والقدرات بين الطرفين، فضلا ً عن التباين الجوهري في طبيعة الحرب التي يخوضها كل ٌ منهما وأدوات إدارتها.
منذ اللحظة الأولى، لم يظهر الهدف الإسرائيلي في لبنان باعتباره هدفًا واحدًا ثابتًا ومعلنًا، بل تدرّج سياسيًا وعسكريا مع تطور المعركة، ولا يزال. ففي الأيام الأولى، قُدّمت الحرب إسرائيليًا على أنها حملة لإزٍالة التهديد الذي يمثله حزب الله على "الجبهة الشمالية". ففي 3آذار/مارس، قال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زٍامير أن الهجمات ستستمر حتى نزع سلاح حزب الله، في حين أعلن وزٍير الدفاع يسرائيل كاتس أنه أجا زٍ للجيش التقدم والسيطرة على مواقع إضافية في لبنان. في هذه المرحلة، بدا الخطاب الإسرائيلي متمحور ً ا حول إضعاف حزب الله وتجريده من قدرته على تهديد الحدود أكثر من كونه إعلانًا مباشرا عن هدف جغرافي أو احتلالي مكتمل المعالم.
لكن هذا الهدف بدأ يتسع سريعا مع اتساع نطاق العمليات؛ ففي 12آذار/مارس أعلن كاتس أن الجيش تلقى تعليمات بتوسيع عملياته في لبنان، و"إذا كانت الحكومة اللبنانية لا تعرف كيف تسيطر على الأرض وتمنع حزب الله من تهديد بلدات الشمال وإطلاق النار على إسرائيل، فنحن سنأخذ الأرض وسنفعل ذلك بأنفسنا"، وفق تعبيره. وقد مثّل هذا التصريح انتقالا ً نوعيا في الخطاب الإسرائيلي: من هدف يركّز على الردع وإزٍالة التهديد والتركيز على حزب الله إلى هدف يلوح بوضوح بفرض واقع ميداني بالقوة مرتبط بالجغرافيا اللبنانية، كما في التعامل مع الدولة اللبنانية بتحميلها مسؤولية ما تعتبره إسرائيل "عجزها"، أو رفضها القيام بما تريده إسرائيل.
ثم جاء الانتقال الأوضح في16آذار/مارس، حين أعلنت إسرائيل بدء عمليات برية "محدودة ومركّزة" في جنوب لبنان. وربطت ذلك بمنع عودة التهديد إلى حدودها، وبضمان أمن سكانها في الشمال. وهنا ما عادت تكتفي بإدارة الحرب من الجو أو عبر القصف مِن بُعد، بل انتقلت إلى إنتاج وقائع ميدانية مباشرة على الأرض، ما يعني أن الضربات الجوية وحدها ما عادت كافية لتحقيق الغاية المرجوة إسرائيليًا. وبعد ذلك، في 24 آذار/مارس، أعلنت إسرائيل نيتها السيطرة على جنوب لبنان حتى نهر الليطاني بوصفه "منطقة أمنية دفاعية"، قبل أن يعلن رئيس الوزٍراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في29 آذار/مارس توسيع هذه المنطقة الأمنية من أجل إحباط خطر التسلل وإبعاد نيران الصواريخ المضادة للدروع عن الحدود. بذلك، يكون الهدف الإسرائيلي قد تدر ّ ج خلال أقل من شهر من ردع حزب الله وإضعافه إلى السعي لتغيير دائم، أو شبه دائم، في الجغرافيا الأمنية في جنوب لبنان.
عمليًا، يمكن تقسيم العدوان الإسرائيلي خلال الشهر الماضي إلى مستويين مترابطين: مستوى عام شمل لبنان، ومستوى عملي خاص تركز في الجنوب، لا سيما جنوب نهر الليطاني، بوصفه المسرح الرئيسي للحسم ومحاولة فرض واقع أمني جديد. يمكن فهم العدوان الإسرائيلي على مستوى لبنان خلال الشهر الماضي بوصفه مسارًا ضاغطًا وشاملاً ، لم يقتصر على استهداف البنية العسكرية المباشرة لحزب الله، بل اتجه إلى استنزاف بيئته الاجتماعية أيضً ا، وتفكيك شبكاته المساندة، وتوسيع كلفة الحرب عليه وعلى حاضنته وعلى لبنان ككل. فمنذ الأيام الأولى، اعتمدت إسرائيل على ضربات جوية مكث ّ فة طاولت مواقع الحزب ومناطقه ومراكز ارتكازٍه المفترضة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، ووسّ عت تدرّجً ا نطاق النيران ليشمل مئات الأهداف في أكثر من منطقة، مع ملاحقة كوادر وعناصر ومنشآت تقول أنها مرتبطة بحزب الله أو تساهم في دعمه. في موازٍاة العمليات العسكرية، استخدمت إسرائيل أوامر الإخلاء على نطاق واسع في الضاحية الجنوبية والجنوب وأجزاء من البقاع، ما أدى إلى موجات نزوح كبيرة من مناطق تُعد حواضن أساسية لحزب الله. بذلك، لم تكن الإخلاءات مجرد إجراء ميداني، بل أداة ضغط مباشرة على الحزب وبيئته عبر تفريغ مجاله الاجتماعي ونقل كلفة الحرب إلى سكان مناطق نفوذه والبيئات المستضيفة.
علاوة على ذلك، لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على استهداف حزب الله وأوامر الإخلاء الواسعة، بل شمل استهدافات مدنية وخدمية ومالية وإنسانية هدفت إلى رفع الكلفة الاجتماعية للحرب على حزب الله وبيئته الحاضنة وإضعاف بنيته الأوسع، بما في ذلك مؤسسات، مثل "القرض الحسن" ومحطات وقود... فضلا ً عن استهداف صحافيين ومسعفين. وبحسب الأرقام المعلنة في 29-28 آذار/مارس، قتلت إسرائيل في لبنان منذ بداية الحرب ما لا يقل عن 51 من العاملين في القطاع الصحي، بينهم 9 مسعفين في يوم واحد، هذا وارتفع عدد الضحايا من الإعلاميين هذا العام في لبنان إلى خمس، لتكون المحصلة بعد شهر من الحرب كلفة بشرية وإنسانية بالغة الارتفاع، مع تجاو زٍ عدد الضحايا في لبنان 1318قتيلا ً بحسب إحصاءات وزٍارة الصحة اللبنانية، وتخط ّ ي عدد النازٍحين المليون شخص، بينهم أكثر من370ألف طفل، فضلا ً عن تعطّل تعليم أكثر من150ألف طالب، وعزل نحو150ألف شخص نتيجة تدمير الجسور وقطع طرق الربط في جنوب لبنان.
أما في الجنوب، فقد تركز الضغط الإسرائيلي بصورة خاصة في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، بوصفها المجال الذي تسعى إسرائيل من خلاله إلى ترجمة ضغطها العسكري العام إلى واقع ميداني وأمني جديد. ولم يقتصر هذا الجهد على استهداف البنية القتالية المباشرة لحزب الله، بل امتد إلى تقويض مقومات الحياة المدنية وشروط الاستقرار اليومي أيضا، عبر تكرار طلبات الإخلاء حتى نهر الزهراني، ثم انتقالها أو ّ ل مرة إلى البقاع الغربي، واستهداف الجسور وطرق الربط والممرات والخدمات العامة بين جنوب الليطاني وشماله، لعزل المنطقة تدرّج ً ا عن عمقها اللبناني، وتعقيد حركة التنقل والإمداد والعودة، ودفع مزيد من السكان إلى النزوح وتقويض إمكانية العودة القريبة، خصوصً ا مع استهداف أساسيات الحياة في المنطقة مثل محطات المحروقات أو التهديد باستهداف الشاحنات بحجة استخدامها لنقل الأسلحة. وبهذا المعنى، بدا أن إسرائيل لا تتعامل مع جنوب الليطاني بوصفه مجرد ساحة اشتباك عسكرية، بل بوصفه مجالا ً تهدف لاحتلاله وإعادة تشكيله ميدانيًا ولوجستيًا وديموغرافيا بما يخدم أهدافها الأمنية اللاحقة. ولم يكن هذا التوجه مجر ّ د استنتاج من مسار العمليات، بل عب ّ ر عنه المسؤولون الإسرائيليون صراحة، حين أعلن كاتس في 24 آذار/مارس أن الجيش يعمل على إنشاء "خط دفاعي أمامي" حتى نهر الليطاني، وأنه لا ينبغي أن تبقى "منازٍل أو سكان" في المناطق التي تعتبرها إسرائيل مناطق "إرهاب"، في مقاربة شب ّ هها هو نفسه بالنموذج الذي اعتمدته إسرائيل في غزة عبر هدم الأبنية القريبة من الحدود وخلق حزام دفاعي دائم.
عسكريا، نفّذت إسرائيل في جنوب لبنان مسارًا متدرّج ً ا يجمع بين الضغط الناري الواسع والتقدم البرّي المرحلي والحذر. فمن جهة، بدا أن التوغل الإسرائيلي يسعى إلى التقدم نحو مفاصل ميدانية حاكمة وخطوط ربط رئيسية، ّمن شأن السيطرة عليها أو تعطيلها أن يعز ّ زٍ العزل الجغرافي للجنوب ويحدمن قدرة حزب الله على المناورة وإعادة الانتشار، والهيمنة على خطوط من التلال الحاكمة والمشرفة على جنوب نهر الليطاني في مرحلة أولى من العملية بالتدمير والسيطرة على شرائط حدودية متتابعة في الداخل اللبناني، ومن ثم الانتقال، بحسب القدرة، إلى باقي المنطقة الواقعة بين خط هذه التلال ونهر الليطاني.
أما على صعيد استراتيجية التقدم، فقد أوحت أنماط التقدم الميداني بأن إسرائيل تعتمد، لا سيما في القطاعين الأوسط والغربي، على الالتفاف على القرى من المحاور الأقل كثافة دفاعية، ومحاولة تطويقها أو عزلها بدلا ً من التورط منذ البداية في مواجهات اقتحام مباشرة ومكلفة. أما في القطاع الشرقي، فيبدو أن التقدم اتصل أكثر بمحاولة فتح مسار أوسع باتجاه مجرى نهر الليطاني، ومنه إلى محاولة الالتفاف نحو العمق الجنوبي في سبيل عزل المنطقة بشكل تام وتقطيع أوصالها والالتفاف على الأهداف فيها.
إذًا، ما تعلنه إسرائيل عن نهر الليطاني يبدو، حتى الآن، أقرب إلى هدف بعيد الأمد نسبيًا لعملية تُنفَذ اليوم على مراحل، لا إلى هدف يُحقَق مباشرة. فالمرحلة الأولى تبدو قائمة على احتلال الشريط الحدودي وتثبيت السيطرة على التلال الحاكمة وخطوط الإشراف، بما يسمح بإقامة حزام ناري وأمني متقدم منزوع الحياة والسكان. أما المرحلة التالية، فقد تكون التوسّ ع نحو نهر الليطاني نفسه، أو محاولة الالتفاف شمالاً ، وهو ما يجعل إخلاءات البقاع الغربي تطورًا لافتًا، لأنها تفتح باب الاحتمال أمام التفاف عسكري باتجاه إقليم التفاح شمال نهر الليطاني أو باتجاهات بقاعية تربك العمق العملياتي لحزب الله أو التحضير لتقدم من جهة جبل الشيخ نحو البقاع الغربي. وينسجم نمط إسرائيل في الجنوب اليوم مع نمط أوسع ظهر في سورية أيضًا، حيث لم تكتفتل أبيب بالدفاع عند الخطوط القائمة، بل تحركت لفرض مجال أمني منزوع السلاح والسكان نسبي ً ا، من المنطقة العازٍلة في الجولان إلى جبل الشيخ؛ أي أنها تحاول، عمليا، بناء شريط أمني متصل من سورية إلى لبنان ضمن منطق احتلالي أمني متقدّم.
مع ذلك، لا يوحي المسار الميداني حتى الآن بأن إسرائيل بلغت نقطة حسم أو سيطرة في محاور تقدّ مها في الجنوب، إذ لا تزال قواتها في معظم المحاور تحت نيران حزب الله الذي تتيح استراتيجية عمله المرنة تأخير تقدم القوات ّالإسرائيلية قبل التعامل معها. كما أن تقد مها البري يسير ببطء وحذر، في وقت تبدو أهدافها الميدانية متدرجة وغير مكتملة حتى الآن، من دون إمكان الجزم بقدرتها على تحقيق أهدافها بالسيطرة التامة على جنوب نهر الليطاني واحتلاله. يعززٍ هذا التقدير أن التقدم الإسرائيلي لا يزال يفرض على قواته كلفة بشرية وميدانية ملموسة وهي لا تزال في القطاعين الغربي والأوسط بعيدة مِن النهر، إذ أقر الجيش الإسرائيلي في 31آذار/مارس بمقتل 4من جنوده وإصابة 2آخرين في جنوب لبنان، فيما قُتل قبل أيام من ذلك جندي آخر من لواء المظليين في عملية قتالية جنوبًا وأصيب معه3 جنود آخرون، بما يؤكد أن التوغل البري لم يتحول بعد إلى مسار منخفض الكلفة أو خالٍمن الاحتكاك. وهو ما يريده حزب الله ويسعى للاستمرار فيه محاولا ً تكرار تجربة حرب2006برفع الكلفة على القوات الإسرائيلية المتقدّ مة ومحاولة إجبارها على تغيير الخطط وحدود التقدم المأمول أو التمركز المحتمل ودفعها نحو الانسحاب من المناطق المحتلة أو إبرام اتفاق من نوع ما.
في المقابل، يبدو أن حزب الله لا يدير الحرب بوصفها معركة حسم ميداني مباشر، بقدر ما يخوضها بوصفها معركة صمود ومنع انكسار ومنع تحويل التفوق الإسرائيلي إلى نتيجة نهائية سريعة. فالحزب، في ظل الفارق الكبير في الإمكانات والغطاء الجوي وحرية الحركة التي تتمتع بها إسرائيل، لا يتصرف على أساس القدرة على وقف التقدم الإسرائيلي في كل محور، بل على أساس رفع كلفته، وإبطائه، ومنع تحوّ له السريع إلى واقع ميداني مستقر، أو إلى إنجا زٍ سياسي جاهز للاستثمار. من هذه الزاوية، يمكن فهم سلوك الحزب بأنه يجمع بين عدد من المسارات المتوازٍية:
الحفاظ على إيقاع ناري مستمر باتجاه الداخل الإسرائيلي بوتيرة مدروسة بالتنسيق مع إيران ضمن الحرب الإقليمية الدائرة، وتحويل التوغل البري في الجنوب إلى ساحة استنزاف، ومنع استثمار الحرب داخليًا في لبنان لتصفية موقعيه السياسي والتنظيمي.
على مستوى الهجمات باتجاه الداخل الإسرائيلي، يبدو أن حزب الله يعطي الأولوية لاستمرار الضغط أكثر من السعي إلى إحداث أثر ناري حاسم دفعة واحدة. فمنذ اليوم الأول، في 2آذار/مارس، أطلق نحو60صاروخًا ومسيّرة. وتكرّر رقم مشابه في اليوم التالي، قبل أن يتجاو زٍ هذا المستوى أكثر من الضعف في 4آذار/مارس، ما أظهر منذ البداية أنه لا يعمل بمنطق الضربة الواحدة الحاسمة، بل بمنطق الحفاظ على وتيرة نارية قابلة للاستمرار والتكيّف، فيما غر ّ د وزٍير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر، مؤكّدًا أن حزب الله أطلق نحو 5000 صاروخ وقذيفة ومسيّرة منذ بداية الحرب حتى 29آذار/مارس. وحتى مع تراجع الكثافة في بعض المراحل مقارنة بأخرى، لم تنقطع هذه الوتيرة. وهذا المسار يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباطه بسياق الحرب الإقليمية الأوسع، لا سيما مع تداخل الضربات وتوازٍيها بين حزب الله وإيران، بما يمنحه بُعد ً ا يتجاو زٍ مجرّد الضغط من الساحة اللبنانية وحدها. وبهذا المعنى، يخدم استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات أكثر من وظيفة في آن ٍ واحد: إبقاء الداخل الإسرائيلي تحت الضغط، ومنع إسرائيل من الاد ّ عاء بأنها أزٍالت التهديد، واستنزاف جزء من منظومتها الدفاعية، فضلا ً عن رفع كلفة المواجهة على إسرائيل بصورة متواصلة ومن جبهات متعددة متزامنة، وتثبيت أن الحرب لم ولن تتحول إلى معركة أحادية الاتجاه، وأن فصل ساحاتها عن بعضها بعضً ا لن يكون أمرًا يسيرًا.
على المستوى السياسي، أظهرت حصيلة الشهر الأول من الحرب مسارًا سياسيًا لبنانيًا ومساعي فرنسية وعربية في مقابل برود أميركي وغياب تفاعل إسرائيلي جاد معه، فاستمرّت الحرب وتوسّ عت أهدافها الميدانية بمعزل عن هذا المسار. فمنذ الأيام الأولى، اتخذت الدولة اللبنانية خطوات غير مسبوقة في مقاربتها قضية سلاح حزب الله، بدءًا من قرار الحكومة في2 آذار/مارس حظر الأنشطة العسكرية للحزب والتشديد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، وذلك في تحول واضح في الخطاب الرسمي اللبناني تجاه سلاح الحزب ودوره العسكري. ثم تدرّج هذا المسار مع إبداء استعداد رسمي للدخول في محادثات مع إسرائيل، ومع استمرار الضغط الداخلي والخارجي باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وصولا ً إلى قرار طرد السفير الإيراني من لبنان، وهو قرار مث ّ ل ذروة التصعيد السياسي اللبناني ضد النفوذ الإيراني، بما يتجاو زٍ استهداف حزب الله وحده إلى استهداف بيئته الإقليمية الحاضنة.
غير أن هذا المسار اللبناني الرسمي لم ينعكس حتى الآن على السلوك الإسرائيلي في اتجاه خفض التصعيد أو فتح نافذة سياسية فعلية. فعلى الرغم من أن إسرائيل رحبت ببعض الخطوات اللبنانية، لا سيما طرد السفير الإيراني، فإنها واصلت حربها ووسعت عملياتها في الجنوب، ثم انتقلت إلى إعلان نيتها إنشاء منطقة أمنية حتى نهر الليطاني. وهذا يعني أن إسرائيل لم تتعامل مع الخطوات اللبنانية بوصفها مدخلا ً كافي ً ا لاحتواء الحرب، بل واصلت الضغط العسكري انطلاقً ا من تقدير مفاده أن الميدان لا يزال الأداة الأنجع لفرض شروطها، سواء على حزب الله أو على الدولة اللبنانية نفسها.
في المقابل، تعامل حزب الله مع هذا المسار بوصفه محاولة لاستثمار سياسي ضده خلال الحرب، لا مجرد إعادة تموضع للدولة اللبنانية تحت ضغط المعركة. لذلك، رفض القرارات الحكومية، وصعّد خطابه في مواجهتها، واعتبر أن ما يحصل لا يستهدف سلاحه فحسب، بل موقعه داخل المعادلة اللبنانية برمتها. وقد ترافق ذلك مع تهديدات مباشرة وغير مباشرة من قادته، ومع تحذيرات من أن استمرار هذا المنحى قد يؤدّي إلى قلب المشهد الداخلي رأسً ا على عقب. في هذا السياق، بدا أن الحزب يسعى إلى تجميد مفاعيل المسار الرسمي اللبناني أو الحد منها عبر التهديد المرتفع السقف، إلى حين اتضاح مآل الحرب، انطلاقًا من تقديره أن أي تراجع سياسي كبير أثناء المعركة قد يفتح الباب أمام تصفيته سياسيًا وتنظيميًا بعد انتهائها ويُفقده أوراقًا تفاوضية بالمجان. في هذا السياق، بدا أن حزب الله نجح في ترميم تماسك الثنائي الشيعي، بعدما أي ّ د وزٍراء حركة أمل موقفه الرافض قرار َ سحب اعتماد السفير الإيراني من بيروت، وقاطعوا الجلسة الحكومية، وقد وفّر ذلك دعمًا إضافيًا للحزب في معادلته الداخلية اللبنانية، لا سيما في بُعدها الطائفي، وهو ما يرج ح تراجع فاعلية الحراك السياسي اللبناني الداخلي مع ارتفاع حدة الاحتقان الطائفي، خصوصً ا في ظل التصعيد العسكري وعدم اكتراث إسرائيل الراهن بالمبادرات اللبنانية وتمسك حزب الله بمواقفه وموقعه.
يمكن القول أن الشهر الأول من الحرب أظهر أن إسرائيل تدير المعركة على قاعدة تدرّج الهدف من ردع حزب الله وإضعافه إلى محاولة فرض واقع أمني جديد في منطقة جنوب نهر الليطاني لاحتلالها ومحاولة وصلها بمثيلاتها في سورية، عبر الضغط الشامل على لبنان، وتقويض البيئة القتالية والبيئة المدنية في جنوب النهر، والسعي إلى السيطرة على مفاصل حاكمة فيه من دون أن يكون هذا السقف استقر ّ نهائي ً ا بعد. في المقابل، يخوض حزب الله المعركة على قاعدة الصمود ورفع الكلفة ومنع الكسر، ساعي ً ا إلى دفع إسرائيل لإعادة حساباتها في التقدم والتمركز وشروط إنهاء الحرب، بينما تبقى عينه على الداخل اللبناني كما على سياق الحرب الأوسع مع إيران. مع ذلك، لا تبدو محاولات السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان نهائية، كما أن تحققها الجزئي لا يعني إنتاج الأمن الذي تسعى إليه إسرائيل، في ظل طبيعة ترسانة الحزب ومدياتها المرتفعة، فضلا ً عن أن أي انتقال إلى بقاء طويل أو فرض واقع احتلالي قد يفتح بابًا أوسع لتشريع المقاومة داخليًا ودولي ًا. في المقابل، يبقى السؤال مفتوحًا أيضا بشأن حدود قدرة إسرائيل على توسيع مسرح عملياتها البرية تحت مظلة الاستنزاف من لبنان كما من إيران ناهيك بسقف التقدم المسموح لها فيه أميركيًا في لبنان. أما سياسي ّا، فقد انقضى الشهر الأول من الحرب من دون أي تقدم فعلي في مسار المفاوضات، على الرغم من الطروحات اللبنانية السخية وبعض المساعي الدولية لفتح نافذة احتواء. بناء عليه، تبدو الحرب مفتوحة على مزيد من الاستنزاف والتدحرج في الأهداف ومستوى العمليات، من دون أن تكون قد بلغت بعد نقطة حسم واضحة لأي من الطرفين، أو لحظة انتقال جدية إلى مسار تفاوضي متصل بالحرب الإقليمية الأوسع أو محصور بالساحة اللبنانية.