تراكمت خلال السنوات الست الماضية الأحداث الضاغطة على السكان في لبنان. وبرز بشكل واضح التدهور الحاد في القدرة الشرائية الذي دفع كثّيرًا من السكان في لبنان إلى تعديل جذري في سلوكهم الاستهلاكي، وتمثّّل في تقليص عدد الوجبات الغذائية وتخفيف استهلاك مواد معينة. وقد أتت الحرب الأخيرة حاملة معها ضغوطًًا إضافية نتجت من ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بسبب إغلاق مضيق هرمز وصدمة النفط، إضافة إلى عدم توفر الأسمدة الزراعية في الأسواق الدولية وارتفاع أسعارها. ونتيجة ذلك، أصبح أكثّر من ربع سكان لبنان مهدّدين بنقص حاد ّ في الغذاء، حيث تُظهر التقديرات الأخيرة المرتبطة بالحرب الإقليمية، أن 1�24 مليون شخص في لبنان يصنّفون، في الفترة بين نيسان/أبريل وآب/أغسطس، ضمن الذين سيعانون من "أزمة غذائية" وصولا ً إلى احتمال وقوعهم في حالة "الطوارئ الغذائية" حسب تصنيفات برنامج الغذاء العالمي. هذا التجذّر في هشاشة بنية الأمن الغذائي، يوسّ ع منظور القلق من أزمة الأسعار وعدم توفّر الغذاء إلى حلقة مغلقة تتغذّى على هذه الهشاشة لتنتج مزيدًا من الأزمات الاجتماعية والمالية. فكل موجة تضخم جديدة، أو تراجع في الدخل، أو خفض في المساعدات، أو صدمة أمنية، لا تصيب أسرًا مستقرة فحسب، بل تضغط على فئات استُنزفت قدراتها منذ2019. والأسوأ لم يأت بعد، أي أن الأسر التي كانت تملك هوامش للبقاء والاستمرار والصمود، باتت معرضة هي الأخرى للتهديد نفسه وباتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط في حلقة الأزمة الغذائية.
من زاوية السياسات والتدخلات الحكومية، تحتم هذه الديناميات تغيير طًريقة قراءة الموضوع ومقاربته؛ فالأمن الغذائي لا يمكن التعامل معه باعتباره استجابة إغاثية موسمية، ولا باعتباره مسألة مراقبة أسعار فحسب، ولكن يجب فهمه بوصفه حلقة ضغط بدأت بانهيار سعر الصرف، ثم تعمّقت مع الدولرة وتراجع المداخيل وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، قبل أن تزيد إحكامها الحرب الأخيرة والزراعة المتضررة وتراجع التمويل. لذا، كلما طًال بقاء الأسر داخل هذه الحلقة المفرغة، صار الخروج منها أصعب، لأن التعافي لا يحتاج إلى ضبط الأسعار أو استقرارها فحسب، بل إلى تحسين الدخل أيضً ا، وتخفيف الديون، واستعادة القدرة على الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم معًا.
يمكن تقسيم مسار أسعار الغذاء في لبنان إلى مرحلتين أساسيتين. ففي المرحلة الأولى، الممتدة منذ بداية الأزمة المالية حتى صيف 2023، كان العامل الأساسي هو انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. فخلال تلك المرحلة، ارتفعت أسعار الغذاء بنحو 19845 في المئة وفق الحساب المبني على مؤشر أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي، والمنشور ضمن قواعد بيانات تتابع السلسلة نفسها � وقد كان تضخم الغذاء يُقرأ أساسً ا بوصفه ترجمة مباشرة لفقدان قيمة الليرة اللبنانية. فكانت كل موجة تدهور في سعر الصرف تنتقل مباشرة إلى كلفة الخبز والحبوب والخضار واللحوم والمواد الأساسية الأخرى.
لكن المرحلة الثّانية، التي بدأت مع تثّبيت سعر الصرف الفعلي اعتبارًا من صيف 2023، تحمل دلالة مختلفة. فبعد استقرار سعر صرف الليرة عند مستوى89,500ليرة للدولار، ما عاد ممكنًا حصر تفسير ارتفاع أسعار الغذاء بانهيار سعر الصرف، لا سيما أن أسعار الغذاء ارتفعت منذ صيف 2023 حتى نهاية نيسان/أبريل الماضي بنحو 70 في المئة وفق مؤشر أسعار الغذاء . وهذا يعني أن الأزمة انتقلت من تضخّم ناتج من انهيار العملة إلى تضخم بالدولار نفسه، أي إلى ارتفاع في الكلفة الفعلية للغذاء حتى بالنسبة إلى الأسر التي بات جزء من دخلها مدولرًا.
لم يكن مصدر هذا التضخما. فقدًواحد أتى جزء منه من "تصحيح" أسعار سلع وخدمات كانت قد انخفضت قيمتها الفعلية بالدولار خلال سنوات الانهيار المالي والاقتصادي، قبل أن تبدأ بالعودة تدرّجا إلى مستويات أعلى مع توسّ ع الدولرة واستقرار سعر الصرف. يظهر ذلك خصوصً ا في الخدمات المحلية، حيث ارتبط تراجع التضخم في لبنان باستقرار سعر الصرف والدولرة شبه الكاملة لأسعار الاستهلاك، لكنّه بقي مصحوبًا بتضخم مستمر في قطاعات الخدمات المحلية مثّل الإيجارات والنقل والكهرباء . فخلال هذه المرحلة، ارتفعت الإيجارات نحو 61 في المئة، وتعرفة النقل 43 في المئة، وبند "مسكن ماء وغاز وكهرباء ومحروقات أخرى" 68 في المئة . وهذا يعني أن تضخّم أسعار الغذاء يتحرّك ضمن موجة أوسع من إعادة تسعير الكلفة المعيشية بالدولار، من الإيجار إلى الخدمات والطاقة والنقل.
مؤشّ ر أسعار الغذاء(حزيران/يونيو2019- نيسان/أبريل(2026 40000 35000 30000 25000 20000 15000 10000 5000 أيلول أيلول أيلول أيلول أيلول أيلول أيلول نيسان نيسان نيسان نيسان نيسان نيسان نيسان حزيران حزيران حزيران حزيران حزيران حزيران حزيران 2021 2025 2023 2022 2019 كانون الأول 2020كانون الأول2021كانون الأول كانون الأول كانون الأول 2024كانون الأول كانون الأول 2025 2023 2022 2021 2026 2025 2024 2023 2022 2020 2019 2024 2020 2021 2025 2023 2022 2019 2024 2020 ثمة جزء آخر من التضخم هو تضخم مستورد، حيث يعتمد لبنان على الاستيراد لتأمين الجزء الأكبر من حاجاته الغذائية الأساسية، خصوص ً ا الحبوب. وقد شك ّ لت الحرب الروسية-الأوكرانية صدمة كبيرة في أسواق السلع العالمية، حيث إن لبنان كثّير الاعتماد على استيراد القمح بشكل خاص ، لذلك عندما ترتفع أسعار القمح والزيوت والحبوب أو كلفة الشحن عالمي ً ا، ينتقل جزء من هذه الكلفة إلى السوق اللبنانية، حتى لو في ظل تثّبيت سعر الصرف. وهذا ما جعل التضخم بعد عام 2023مختلفًا عن تضخ ّ م مرحلة الانهيار، فما عاد مصدره انهيار الليرة وحده، بل بات يتأثر بالأسعار العالمية أيضً ا التي انتقلت إلى السوق المحلية عبر الاستيراد والتسعير بالدولار.
إضافة إلى ذلك، فتحت الدولرة الباب أمام هوامش تسعير أوسع داخل السوق. فحين تصبح الأسعار بالدولار أو محسوبة على أساسه، لا يعني ذلك أن السعر يعكس الكلفة فحسب. في سوق ضعيفة الرقابة ومجزّأة، وتعمل في ظل درجة عالية من عدم اليقين، يميل التجار والمستوردون إلى تحميل الأسعار هوامش تحوّط إضافية، تحسّ بًا لتبدّل الكلفة، وصعوبة التمويل، وتقلّب تكاليف الشحن، واحتمال تغيّر الأسعار في ما بعد.
بمعنى آخر، تحو لت الدولرة من أداة لتخفيف أثر انهيار سعر صرف الليرة إلى إطًار يسمح بإعادة تسعير السلع والخدمات صعودًا، حتى عندما لا يكون سعر الصرف هو المحرّك المباشر. وبذلك، ما عاد تدهور سعر الصرف هو المحرّك الأساسي للتضخم، فقد باتت الأسعار مدفوعة بعوامل بنيوية في الاقتصاد السياسي للبنان . بهذا المعنى، لم يكن تثّبيت سعر الصرف كافيًا لوقف تضخّم أسعار الغذاء، لأنه عالج قناة واحدة من قنوات التضخم، بينما بقيت قنوات الكلفة المستوردة، وتصحيح الأسعار بالدولار، وهوامش التسعير في السوق، تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
من زاوية أوسع، بقي التضخم المحل ّ ي في لبنان أعلى بكثّير من التضخّم العالمي على الرغم من استقرار سعر صرف الليرة منذ آب/أغسطس2023 ، أي أن تثّبيت سعر الصرف لم يُنه ِ أزمة الأسعار، بل كشف وجهًا جديدًا منها، وهو أن الأسعار تتحرك داخل اقتصاد مدولر، بينما بقيت المداخيل والحماية الاجتماعية أضعف من أن تواكبها.
مع التصعيد الإقليمي الأخير، ظهرت حساسية الأسعار لأي صدمة إضافية. فمنذ نهاية شباط/فبراير حتى نهاية نيسان/أبريل، ومع بداية الحرب في المنطقة وصدمة أسعار النفط، ارتفعت أسعار الغذاء في لبنان بنحو5�7في المئة خلال شهرين فقط، على أساس شهري، وفق الحساب المبني على مؤشّ ر أسعار الغذاء ّ. كما أن كلفة سلّة الحد الأدنى للبقاء الغذائي ارتفعت في آذار/مارس وحده6في المئة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات بعد الإجراءات المالية الداخلية والتصعيد الإقليمي �
لا يتحوَل ارتفاع الأسعار إلى أزمة أمن غذائي إلا عندما يتزامن مع انهيار الدخل. وهذا ما حصل في لبنان. فقد ازداد الفقر أكثّر من ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير في لبنان، ليصل إلى 44 في المئة من مجموع السكان في عام 2022 . فقد كان لعوامل عدة، منها الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة المحلية والتضخّم، دور في التراجع الحاد في القدرة الشرائية للأسر . ولم يظهر هذا التراجع في حجم الإنفاق فحسب، بل في نوعية الغذاء أيضً ا. فبحسب تقويم البنك الدولي نفسه، لم تكن الأسر تتعامل مع الأزمة عبر خفض الإنفاق على الطعام فحسب، بل عبر تغيير النظم الغذائية والانتقال إلى خيارات أرخص وأقل تنوعًا أيضً ا. وهنا يصبح الفقر مسألة غذائية مباشرة، حيث إن الأسر لا تختار ما تحتاج إليه غذائيًا، بل ما تستطيع دفع ثمنه.
يقدّم برنامج الأغذية العالمي الصورة نفسها من منظور تقديم المساعدات؛ فمنذ بداية الأزمة الاقتصادية في تشرين الأول/أكتوبر 2019 ، تراجعت قدرة الأسر اللبنانية، لا سيما الأكثّر فقرًا، على تأمين الغذاء الكافي . ويزيد ضعف شبكات الحماية الاجتماعية من حدّة المشكلة. وقد ورد في تقرير برنامج الأغذية العالمي عن بناء أنظمة الحماية الاجتماعية، أن برنامج الاستهداف الوطًني للفقر توسّ ع من5000أسرة في عام2014إلى75,000أسرة في عام2023، قبل أن تؤدي قيود التمويل في عام2024إلى الانتقال من تحويلات شهرية إلى تحويلات كل شهرين، ثم توقف البرنامج في حزيران/يونيو�2024وهذا يعني أن الأسر كانت تواجه موجة أسعار مرتفعة في لحظة كانت أدوات الدعم المنتظم تتراجع، لا تتوسع.
لا تقف الصلة بين الفقر والغذاء عند حدود القدرة على شراء السلع الأساسية؛ ففي لبنان، صار الغذاء نفسه واحدًا من أدوات قياس الفقر. فخط ّ الفقر المحدّث في تقويم البنك الدولي بُني وفق منهجية "كلفة الحاجات الأساسية"، أي احتساب كلفة الحد الأدنى من الغذاء الضروري لتأمين2400سعرة حرارية يوميًا، ثم إضافة كلفة الحاجات غير الغذائية الأساسية . وهذا يعني أن الأسرة التي لا تستطيع تأمين غذاء كاف ٍ لا تكون أمام مشكلة معيشية فحسب، بل تدخل مباشرة في قلب تعريف الفقر نفسه.
تظهر الأرقام الأخيرة الصادرة أن هذا الضغط لم ينته ِ مع الاستقرار النسبي في سعر الصرف. فوفق تقرير صادر عن البنك الدولي بعنوان آفاق الفقر الكلي في نيسان/أبريل 2026، بقيت نسبة الفقر بين اللبنانيين مرتفعة في عام2025 ، مع تراجع طًفيف فقط من نحو37في المئة في عام2024إلى36في المئة في عام2025، بعد أن كان قد بلغ ذروته في عام 2024 نتيجة اضطرابات الحرب والانكماش الاقتصادي . هذا يعني أن قسمًا واسعًا من الأسر دخل مرحلة ما بعد الانهيار بلا هامش حماية فعلي، في ظل غياب مدّخرات كافية، أو دخل ثابت، أو شبكة دعم قادرة على امتصاص موجات الأسعار الجديدة.
هكذا تظهر الصلة المباشرة بين الفقر والغذاء. فالأسرة الفقيرة لا تتأثر بارتفاع أسعار الغذاء بالطريقة نفسها التي تتأثر بها الأسرة الأعلى دخلاً . فبالنسبة إلى الفئات الهشّ ة، فإن الغذاء ليس بندًا يمكن تأجيله، لكنه ليس البند الوحيد أيضً ا في ميزانية الأسر. لذلك، عندما ترتفع كلفة الإيجار والكهرباء والمياه والنقل والدواء، تضطر الأسرة إلى تمويلها من الدخل نفسه الذي تشتري منه الطعام. ويشير البنك الدولي إلى أن أسعار التعليم ارتفعت 38�8 في المئة، والإيجارات 27 في المئة، والغذاء والمشروبات غير الكحولية 20�4 في المئة في عام 2025، أي أن المنافسة لا تكون بين الصرف على الغذاء والسلع الكمالية، بل تكون مع حاجات أساسية أخرى، وكل ارتفاع في واحدة منها يضغط على كمية الغذاء أو نوعيته.
هذا يفسّ ر المرحلة الأولى من انعدام الأمن الغذائي، حيث يظهر في صورة تحو ّ ل في نوعية الاستهلاك، مثّل خفض كمية اللحوم والدجاج، وشراء أصناف أرخص، والاعتماد أكثّر على النشويات، وخفض استهلاك الخضار والفاكهة، أو الاستغناء عن وجبات كانت جزءًا من النظام الغذائي الطبيعي للأسرة. وهذا ما يجعل الفقر مسألة غذائية قبل أن يصل إلى مرحلة الجوع. فالأسر لا تنتقل فجأة من الاكتفاء إلى الجوع، بل تمر ّ أولا ً بمرحلة تآكل بطيء في جودة الغذاء وتنوعه.
عندما لا تملك الأسر ما يكفي من الغذاء أو الموارد لشرائه، تلجأ إلى استراتيجيات تكي ّ ف غذائية مثّل الاعتماد على أطًعمة أقل كلفة، أو خفض عدد الوجبات . من هنا، فإن نسبة الأسر اللبنانية التي استخدمت استراتيجيات تكيّف متوسطة ارتفعت من40 في المئة في تشرين الثّاني/نوفمبر2023إلى45في المئة في آب/أغسطس2024. وهذا يكشف أن جزءًا واسعًا من الأسر كان يدير غذاءه يوميًا تحت الضغط، حتى قبل موجات التصعيد الأوسع.
وتصبح الصورة أوضح عند النظر إلى مؤشرات الأمن الغذائي نفسها. فبحسب البنك الدولي، تراجع انعدام الأمن الغذائي من ذروة بلغت 24 في المئة في أواخر عام 2024 إلى نحو 13 في المئة في مطلع عام 2026، لكنه بقي مرتفعًا مقارنة بالمستويات التاريخية. هذا التراجع لا يعني خروج الأسر من الهشاشة، بل يعني أنها انتقلت من ذروة الأزمة إلى وضع قابل للانكسار مجددًا. والدليل أن الحرب الأخيرة تسببت في رفع عدد من تواجههم أزمة غذائية في لبنان إلى نحو1�24مليون شخص بعد شهر نيسان/أبريل2026، أي نحو ربع السكان المشمولين بالتحليل � بهذا المعنى، الفقر هو ما يفسّ ر التحوّل السريع في ارتفاع أسعار الغذاء إلى أزمة أمن غذائي في لبنان. فالأسواق قد تبقى مفتوحة، والسلع قد تكون متوفّرة، لكن القدرة على الوصول إليها تتراجع. ومع كل صدمة جديدة، لا تبدأ الأسر الفقيرة من الصفر، بل من مستوى سابق من الاستنزاف من ديون، فقدان مدّخرات، غذاء أقل تنوعًا، ومساعدات غير مضمونة. لذلك، عندما يرتفع سعر الغذاء بعد تثّبيت سعر الصرف، أو تتراجع المساعدات، أو ترتفع كلفة الخدمات الأساسية، تكون النتيجة المباشرة دفع أسر جديدة من الفقر النقدي إلى الفقر الغذائي، ثم إلى انعدام الأمن الغذائي.
قبل الحرب الأخيرة، كان لبنان يعيش أصلا ً حالة هشاشة غذائية مزمنة. فمنذ أيلول/سبتمبر2022، بقي عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة عاجلة، أي المصن فين في المرحلة الثّالثّة وما فوق، عند مليون شخص أو أكثّر. وفي أيار/ مايو 2023، بلغ عدد هؤلاء 1�4 مليون شخص، ثم تراجع في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 1�05 مليون شخص، قبل أن يرتفع مجددًا مع تصاعد الحرب � بين تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثّاني/نوفمبر 2024، واجه 1�59 مليون شخص في لبنان، أي 29 في المئة من السكان المشمولين بالتحليل، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ومن بين هؤلاء، كان205آلاف شخص في مرحلة الطوارئ و1�39مليون شخص في مرحلة الأزمة. م ثّ ّ ل هذا الأمر زيادة بأكثّر من 300 ألف شخص مقارنة بتقديرات نيسان/أبريل - أيلول/سبتمبر 2024، نتيجة الأثر المركّب للحرب والنزوح على الاقتصاد، وخصوصً ا التجارة والسياحة، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية السابقة � لم يتوقف التدهور عند نهاية التصعيد العسكري المباشر. فبين كانون الأول/ديسمبر 2024 وآذار/مارس 2025 ارتفع العدد إلى 1.65 مليون شخص، أي30في المئة من السكان المشمولين بالتحليل �وهذا يعني أن وقف إطلاق النار أو خفض التصعيد لا يُترجم فورًا إلى تعاف ٍ غذائي، لأن عودة الناس إلى مناطقهم لا تعني عودة الدخل، ولا فتح الأسواق، ولا ترميم الأراضي الزراعية، ولا استعادة شبكات النقل والتوزيع� أثّرت الحرب في الإنتاج المحلي أيضً ا، حيث تعرضت الزراعة في الجنوب والنبطية وبعلبك-الهرمل لضربة واسعة، حيث أشار 85 في المئة من الأسر العاملة في قطاع الزراعة إلى صعوبات في الإنتاج في كانون الأول/ديسمبر 2024. من ناحية أخرى، يستورد لبنان نحو 50 في المئة من إجمالي إمداداته الغذائية و90 في المئة من إمداداته من الحبوب . وهذا الاعتماد على الخارج يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط أو الشحن أو الأسعار العالمية ينتقل سريعًا إلى السوق المحلية.
في عام 2025، بقيت المساعدات عاجزة عن مجاراة الحاجات. فقد توقّع برنامج الأغذية العالمي أن يرتفع عدد اللبنانيين الذين يواجههم انعدام حاد في الأمن الغذائي إلى 705 آلاف شخص، أي 18 في المئة من السكان، بحلول تشرين الأول/نوفمبر 2025، مقارنة بـ 591ألفًا، أي 15 في المئة، في حزيران/يونيو 2025. كما أشار البرنامج إلى أن 33 في المئة من اللاجئين السوريين يُتوقع أن يواجههم انعدام حاد في الأمن الغذائي بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، في ظل خفض المساعدات النقدية واتساع فجوات التمويل � أما التصعيد الإقليمي في عام2026، فأعاد الأزمة إلى مستوى أعلى، حيث كان يُتوقّع أن يواجه نحو1�24مليون شخص في لبنان، أي حوالى ربع السكان المشمولين بالتحليل، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين نيسان/أبريل وآب/أغسطس 2026. ويمثّّل هذا الأمر تدهورًا واضح ً ا مقارنة بالفترة بين تشرين الثّاني/نوفمبر 2025 وآذار/مارس2026، حين كان العدد المقدّر874ألف شخص، أو17في المئة من السكان المشمولين بالتحليل �
لا يواجه لبنان أزمة أسعار فحسب، بل إنه يعاني من أزمة أمن غذائي متكاملة أيضً ا. في البداية، كان انهيار سعر الصرف يفسّ ر الجزء الأكبر من الصدمة. أما اليوم، فصار الخطر أوسع، حيث إن أسعار الغذاء ترتفع بالدولار، والمداخيل لا تلحق بها، فضلا ً عن أن معدلات الفقر في ارتفاع، والمساعدات في تراجع، والزراعة متضررة، والأسواق حساسة لأي صدمة أمنية أو نفطية. ويتعزّز هذا التقدير بسبب شبه انعدام للتعافي على المستويات كافة، سواء من الحكومة وقدراتها التمويلية، أو التغطية الخارجية المالية التي كانت تحصل عليها الأسر من تحويلات المغتربين.
هذا يعني أن المخاطًر المرتبطة بالأمن الغذائي غير محصورة بتوف ر السلع في السوق، بل ترتبط ارتباطًًا وثيقًا بحلقة ضغط بدأت مع انهيار 2019، ثم توسّ عت مع ضعف قدرة الدولة على التدخّل، وتراجع التمويل، وتآكل شبكات الحماية، وأخيرًا الحرب. بناء عليه، كلما ازدادت الفئة الواقعة على حافة الأزمة أو الطوارئ الغذائية، أصبحت أي صدمة إضافية كافية لدفع أسر جديدة إلى مستويات أشد ّ من الهشاشة الغذائية والمعيشية.
الأخطر هو أن هذه الحلقة تترك آثارًا متوسطة وبعيدة الأمد؛ فالأسرة التي تدخل في انعدام الأمن الغذائي لا تخرج منه فورًا بمجرد هدوء الأسعار أو تحسن الأسواق، حيث إنها تكون قد استنزفت مدّخراتها، وراكمت ديونًا، وغيّرت نمط غذائها، وقل ّ صت إنفاقها على الصحة والتعليم. لذلك، حتى إذا بدأ التعافي لاحق ً ا، فلن يشمل تلقائي ً ا جميع الذين انزلقوا إلى هذا المستوى المتدني من القدرة على الصمود.
على المستوى الصحي، سيظهر الأثر في السنوات المقبلة عبر ارتفاع المخاطًر المرتبطة بسوء التغذية، لا سيما لدى الأطًفال والنساء وكبار السن. فالغذاء الأرخص لا يعني دائمً ا غذاء ً كافيًا أو متوازن ً ا، ما يزيد احتمالات فقر الدم، وضعف المناعة، والأمراض المرتبطة بنقص العناصر الغذائية، ويضيف أعباء جديدة على نظام صحي منهك أصلاً .
أما على المستوى التعليمي، فتتحول كلفة الغذاء إلى عامل ضغط على قرارات الأسرة. فعندما تصبح الأولوية لتأمين الطعام والشراب، تتراجع القدرة على تغطية كلفة النقل والقرطًاسية واللباس والإنترنت، وتزداد احتمالات الغياب والتسر ب المدرسي أو دخول الأطًفال سوق العمل. بهذا المعنى، يتحوّل الأمن الغذائي إلى عامل يحدد فرص جيل كامل.
أما اجتماعي ً ا، فإن استمرار الهشاشة الغذائية والمعيشية يزيد الميل إلى الهجرة بحثًّا عن دخل واستقرار. وهذا لا يعني خروج أفراد من سوق العمل المحلية فحسب، بل يفاقم تفكك الأسر وشبكات الدعم التي اعتمدت عليها المجتمعات خلال الأزمة. لذلك، سيكون التعافي من أزمة الأمن الغذائي بطيئًا، لأنه يتطلب ترميم الدخل والصحة والتعليم والثّقة في قدرة الدولة على الحماية في آن ٍ واحد.
العربية سلامة، ماهر. "البنك الدولي: تضخم الأسعار مستمر".الأخبار 2025/6/28 � . في:https://acr.ps/hBy2SpJ الأجنبية Integrated Food Security Phase Classification (IPC). Lebanon: Lebanon’s Food Security Expected to Deteriorate Following the Escalation of the Conflict. IPC Acute Food Insecurity Analysis October 2024 - March 2025.
17 January 2025. at:https://acr.ps/hBy2SAV ________. Lebanon: Deepening Food Crisis Driven by Conflict Escalation, IPC Acute Food Insecurity Updated Projection Analysis April - August 2026. 29 April 2026, at:https://acr.ps/hBy2Svk Lebanese Republic. Presidency of the Council of Ministers. Central Administration of Statistics. Economic Surveys.
at:https://acr.ps/hBy2T4u World Bank. "Lebanon: Emergency Wheat Supply Response Project (P178866)." Project Information Document (PID). 14 April 2022. at:https://acr.ps/hBy2SP2 ________. Lebanon Poverty and Equity Assessment: Weathering a Protracted Crisis. Washington, DC: World Bank, 2024. at:https://acr.ps/hBy2SbC ________. "Poverty and Equity Brief: Lebanon." October 2025. at:https://acr.ps/hBy2Slt World Bank Group. "Lebanon: Economic Rebound Marks Cautious Recovery amidst Progress on Reforms." 22 January 2026. at:https://acr.ps/hBy2SFb ________. "Lebanon Macro Poverty Outlook." April 2026. at:https://acr.ps/hBy2SUD World Food Programme. "WFP Lebanon Programme Factsheets - September 2025." 8 October 2025. at:
https://acr.ps/hBy2SKM ________. "Lebanon: New IPC Analysis Shows Conflict Escalation Pushing Nearly a Quarter of Population into https://acr.ps/hBy2T0e Acute Food Insecurity." 29 April 2026. at: