تفاقمت أزمة التعليم في لبنان مع توسع الحرب الإسرائيلية في آذار/مارس 2026، في قطاع يعاني منذ سنوات أزمات ٍ متعددة. فقد أدّت سنوات من الانهيار الاقتصادي، وتعطّ ل التعليم بسبب جائحة كوفيد-19، وإضرابات المعلّمين احتجاجًا على تراجع القيمة الحقيقية للرواتب وارتفاع كلفة المعيشة، وعدم الاستقرار السياسي، والانقطاعات المتكرّرة عن الدراسة، إلى ضياع ما يعادل ثلاثة من كل خمسة أيام تعلّم، في وقت شهدت مُ خرجات التعلّم الأساسية تدهور ا ملحوظًً ا. وخَ لُص التقييم التشخيصي الوطني الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي والمركز التربوي للبحوث والإنماء للعامين 2025-2024، إلى أن أكثر من نصف تلاميذ الصف الأول يفتقرون إلى المهارات الأساسية في الرياضيات، وأن أكثر من ثمانية من كل عشرة تلاميذ في الصف السادس لم يتمكّنوا من إتقان عملية القسمة � وفاقمت الحرب الأخيرة مواطن الضعف والهشاشة القائمة؛ ففي ذروة الحرب، استُخدم نصف المدارس الحكومية مراكز إيواء للنازحين من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدّى إلى تعطيل تعليم أكثر من 250 ألف تلميذ، وإلحاق ضرر بالغ بالأطفال الأكثر اعتمادًا على التعليم الرسمي � ّوكانت تداعيات ذلك على تعل ّم الأطفال فورية، حيث بيّنت الأدلة أن أكثر من نصف الأطفال النازحين في مراكز الإيواء، التي شملها التقييم المذكور، لم يكونوا ملتحقين بالمدارس الابتدائية، في حين لم يكن ستة من كل عشرة مراهقين نازحين منتسبين إلى المدارس الثانوية. وفي الوقت نفسه، أدّ ى إغلاق المدارس والنزوح وانعدام الأمن ومحدودية الوصول إلى موارد التعليم إلى مزيد من تقليص فرص التعلّم � إضافة إلى ذلك، فقد أث رت الحرب في الصحة النفسية للأطفال، إذ أظًهرت البيانات على المستوى الوطني أن سبعة من كل عشرة أطفال بدت عليهم أعراض مرتبطة بالقلق، وأن نحو ستة من كل عشرة أطفال كانوا يعانون أعراضً ا مرتبطة بالاكتئاب.
لقد كان في وسع المدارس أن توفّ ر قدرًا من الاستقرار والحماية والدعم النفسي والاجتماعي في وقت كانت الحاجة إلى ذلك ماسّ ة. إلا أن عددً ا كبيرا من الأطفال ظًل ّ منقطعً ا عن التعلّم وعن منظومة الدعم الأوسع التي يوفّ رها التعليم � لم يكن التحدي في لبنان مرتبطً ا بنقص المعطيات اللازمة لتحديد الاحتياجات التعليمية، إذ إن هذه المعطيات كانت متاحة قبل الحرب وخلالها. فقد كشفت تقييمات التعلّم عن ضعف حاد في التحصيل العلمي خلال الفترة الممتدة من بداية الأزمة الاقتصادية حتى اندلاع الحرب في عام 2024. كما بيّنت التقييمات حجم التداعيات الكبيرة التي خلّفها العدوان والنزوح، وما رافقهما من إغلاق للمدارس وتعطيل للعملية التعليمية. غير أن التحدي الأكبر يبقى في الاستجابة لهذه المعطيات باتخاذ الإجراءات المناسبة بالسرعة اللازمة.
يرى تقييم الحالة هذا بأن تجربة لبنان لم تكن، في المقام الأول، أزمة معرفة أو عدم تخطيط، بل أزمة تنفيذ وترتيب أولويات. ففي حين حُ وّ لت المدارس بسرعة إلى مراكز إيواء، لم تُنفَ ذ تدابير ضمان استمرارية التعلّم بالقدر نفسه من السرعة. ولذلك، لم يفقد كثير من الأطفال الأكثر هشاشة حقّ هم في التعليم فحسب، بل حُ رِموا أيضً ا من حقّ هم في الوصول إلى واحدة من المنظومات القليلة القادرة على دعم تعلّمهم وصحتهم النفسية وفرصهم المستقبلية خلال فترة حادة من التأزم.
لم يكن نظام التعليم اللبناني قبل الحرب الأخيرة في موقع مستقرّ. فطوال أكثر من ست سنوات مضت، واجه المتعلمون والمعلّمون وإدارات المدارس أزمات متعددة ومُ تداخلة، شملت الانهيار الاقتصادي والمالي الذي أثّر في رواتب المعلمين، وجائحة كوفيد-19، وانفجار مرفأ بيروت، وإضرابات المعلّمين، وغياب الاستقرار السياسي، إضافة إلى الضغوط التي تراكمت على التعليم الرسمي منذ بدء النزوح السوري، مع استيعاب أعداد كبيرة من التلاميذ السوريين واعتماد دوام ثان ٍ بعد الظهر في عدد من المدارس الرسمية، وما ترتب على ذلك من ضغط إضافي على الموارد والبنية التعليمية، ومن بعدها نزوح مئات آلاف اللبنانيين نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية. وقد أدّ ت هذه الصدمات إلى ًتعطيل التعلّم مرات عدة، وفرضت ضغوط ّ شّا كبيرة على نظام التعليم الرسمي الهأصلاً .
نتيجة ذلك، لم تتسبّب الحرب الأخيرة وحدها بأزمة التعلّم في لبنان، بل كشفت أزمة كانت قائمة بالفعل وعمّ قتها. فقد دخلت المدارس الرسمية، التي تستوعب نسبة كبيرة من التلاميذ الأكثر هشاشة في البلاد، فترة الحرب بقدرة محدودة على استيعاب المزيد من الاضطرابات. وكان الكثير من الأطفال قد تأخّ روا بالفعل عن مستويات التعلّم المتوقّ عة منهم، في حين كانت الأسر والمعلّمون قد استنفدوا جانبًا كبيرًا من آليات التكيّف المتاحة لديهم.
في هذا السياق، لم يقتصر التحدّي على الاستجابة لحالة طوارئ جديدة، بل تمثّل في حماية جيل من المتعلّمين كان قد تحمّ ل بالفعل سنوات ٍ من الانقطاع عن التعليم، وعانى تراجعً ا في مستوى التعلّم. هل كانت الأدلة متاحة حول الفاقد التعليمي؟
لم تكن حدّ ة تراجع مستوى التعلّم، أو ما يُعرف بالفاقد التعليمي، قبل الحرب مجهولة. فقد قدّ م التقييم التشخيصي الوطني الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي بعضً ا من أوضح الأدلّة المتاحة عن واقع التعلّم في المدارس الرسمية. وكشف عن جيل يتأخّ ر بالتدرّج في اكتساب المهارات الأساسية:
- خسارة ثلاثة أيام تعلّم من كل خمسة أيام ؛ - افتقار أكثر من نصف تلاميذ الصف الأول إلى المهارات الأساسية في الرياضيات � - بحلول الصف السادس، قُ دّ ر تراجع مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة بما يصل إلى أربع سنوات ونصف السنة ؛ - عدم تمكّ ن أكثر من ثمانية من كل عشرة تلاميذ في الصف السادس من إتقان عملية القسمة � قد يبدو رقم مثل "أربع سنوات ونصف السنة من تراجع مستوى التعلّم" مجرّدً ا، في أول وهلة. إلا أنه يعني، عمليًا، أن كثيرًا من الأطفال يتقدّ مون في مسار دراستهم، في حين يظل ّ أداؤهم أدنى بعدّ ة مستويات دراسية من المستوى المطلوب أكاديميًا. فقد يواجه طفل في الصف السادس صعوبة في مهارات القراءة التي يُفترض إتقانها في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية. وبذلك، لا يقتصر الأمر على تأخّ ر التعلّم فحسب، بل يتراكم هذا التأخر أيضً ا بوتيرة أسرع مما يفترضه المنهج الدراسي.
الجدول ()1 الصف الدراسي التراجع التقديري في مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة الصف الأول نحو تسعة أشهر الصف الثالث نحو سنتين الصف السادس حتى أربع سنوات ونصف السنة يكتسب هذا الاتجاه خطورة خاصة لأن الفجوة تتّسع بمرور الوقت. فبدلا ً من أن يعوّ ض كثير من المتعلّمين ما فاتهم مع انتقالهم من صف إلى آخر، يزداد تأخّ رهم. وهكذا، يتحوّ ل ما يبدأ بوصفه تأخّ رًا محدودً ا في الصفوف الأولى إلى فجوة كبيرة في التعلّم مع نهاية المرحلة الابتدائية.
وتكمن خطورة ذلك في أن الإلمام بالقراءة والكتابة ليس مجرّد مادّ ة دراسية منفصلة، بل الأساس الذي تقوم عليه جميع أشكال التعلّم اللاحقة؛ فالأطفال الذين لا يجيدون القراءة بطلاقة وفهم، يواجهون صعوبة في تعلّم الرياضيات والعلوم وغيرها من المواد، ما يزيد من خطر عزوفهم عن الدراسة، وضعف تحصيلهم الدراسي، وتسرّبهم من المدرسة في نهاية المطاف.
لا تقتصر التداعيات على مجال التعليم؛ إذ تحذّ ر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) من أن الأطفال الذين لا يكتسبون مهارات القراءة الأساسية يواجهون نتائج حياتية أسوأ بكثير، قد تشمل انخفاض دخلهم طوال حياتهم بنسبة تصل إلى(0في المئة وبهذا المعنى، لا يُشكّ ل تراجع مستوى التعلّم أزمة تعليمية فحسب، بل ينذر أيضً ا بأزمة وشيكة في رأس المال البشري والاقتصاد. فكل عام تمر ّ هذه الفجوات من دون معالجة تتقلّص الفرص المتاحة أمام جيل كامل من الأطفال.
تداعيات الحرب على الأطفال وعلى القطاع التعليمي في لبنان نصف تلاميذ من خسارة3أيام تعلّم تم تدمﻴﺮها من كل5أيام 4.5 / 10 /6 %50 8 من كل10 تلاميذ %50 نصف 10 /6 10 /7 مليون معلم بالقلق بالاكتئاب
كانت احتياجات الأطفال خلال الحرب واضحة. فقبل توسع الاعتداءات بمدة طويلة، أبرزت التقييمات الوطنية الحاجة المُ لحّ ة إلى تعويض خسائر التعلّم، لا سيما في مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية. ومع اتّساع نطاق النزوح وإغلاق المدارس، تحوّ لت الأولوية إلى ضمان قدرة الأطفال على مواصلة التعلّم أينما كانوا.
هنا تؤكّ د ممارسات الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ، ضرورة ضمان استمرارية التعلّم بصورة سريعة، من خلال التعليم المجتمعي، والمساحات المؤقتة للتعلّم، وبرامج التعلّم المُ سرّع، وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي المتكامل. ولا تساهم هذه التدخّ لات في استدامة التعلّم فحسب، بل توفّ ر للأطفال أيضً ا الاستقرار والروتين والحماية خلال الأزمات � في حالة لبنان، كان ذلك يعني ضمان استمرار وصول الأطفال النازحين إلى التعلّم، بمن فيهم المقيمون في مراكز الإيواء الجماعية. لكن، على الرغم من توافر الأدلة القوية التي تدعم تدخّ لات استمرارية التعلّم، كثيرًا ما تأخّ ر تنفيذ الأنشطة التعليمية مقارنة بتوفير المأوى، ما حرم عددً ا كبيرًا من الأطفال من فرص تعلّم مجدية خلال مراحل حرجة من النزوح.
مع اتّساع رقعة النزوح، أصبحت المدارس عنصرًا أساسيًا في الاستجابة الإنسانية في لبنان. ففي ذروة الأزمة، استُخدمت مدرسة رسمية واحدة من كل مدرستيْن رسميتيْن مركزًا لإيواء النازحين، ما أثّر في أكثر من ربع مليون تلميذ، وأخرج عددً ا كبيرًا من مساحات التعلّم من المنظومة التعليمية على نطاق غير مسبوق � هنا وقع العبء الأكبر على الأطفال الأكثر اعتمادً ا على التعليم الرسمي؛ فالمدارس الرسمية تستقبل نسبة كبيرة من التلاميذ الأكثر هشاشة في لبنان، بمن فيهم أطفال الأسر المنخفضة الدخل وأطفال المجتمعات النازحة، حيث لم يكن لدى كثير منهم بدائل واقعية لمواصلة تعليمهم.
في الوقت الذي اضطلع المعلّمون ومديرو المدارس بالمسؤولية الكبيرة في إدارة المدارس بوصفها مراكز إيواء، ظًل كثير من الأطفال النازحين منقطعين عن التعلّم خلال المراحل الأولى من النزوح. صحيح أن استمرارية التعلّم أُقرّت بوصفها أولويّة، لكن تنفيذ الأنشطة التعليمية كثيرًا ما تأخّ ر مقارنة ً بتوفير المأوى.
لم تكن المسألة تتعلّق بما إذا كان ينبغي استخدام المدارس مراكز إيواء؛ إذ كان توفير الحماية للأسر النازحة أمرًا ّضروريًا. بل كَ مَ ن التحدي في ضمان بقاء التعليم جزءً ا لا يتجزّأ من الاستجابة لحالة الطوارئ. فالمعلّمون والعاملون في قطاع التعليم هم الأقدر على تعليم الأطفال وتوجيههم ودعمهم. وعندما تستنزف جهودهم في إدارة مراكز الإيواء، تفقد الاستجابة التعليمية قدرات أساسية. ومن ثم، ينبغي ألا يكون توفير المأوى على حساب حماية استمرارية التعلّم.
التكلفة غير المنظورة لإغلاق المدارس
ّلم تقتصر تداعيات إغلاق المدارس على تعلم الأطفال فحسب، بل امتدت آثارها إلى جوانب أخرى؛ فقد كانت المدارس، بالنسبة إلى كثير من الأطفال، مصدرًا للحماية والتواصل الاجتماعي والدعم النفسي والاجتماعي. لكن عندما أُغلقت المدارس، فقد الأطفال منظومات الدعم هذه في الوقت الذي كانوا في أمسالحاجة إليها. وازداد تأخّ ر المستوى التعليمي للأطفال الذين كانوا يعانون أصلا ً صعوبات ٍ في التعلّم، في حين تقلّصت فرص المتعلّمين الأكثر هشاشة لمواصلة التعلّم، ما زاد من مخاطر عزوفهم عن الدراسة وتسرّبهم منها.
الجدول ()2 التواصل التعلّم الحماية الرفاه الإنصاف خطر التسرب الاجتماعي ازداد تأخر فقد الأطفال توقّفت المدارس فقد الأطفال تمكن الأطفال الذين زادت مستوى الأطفال الوصول إلى عن توفير الروتين توافرت لهم الموارد الانقطاعات الذين كانوا واحدة من التفاعل اليومي والاستقرار من مواصلة التعل ّم من المتكرّ رة من ًمتأخّرين أصلا البيئات القليلة بين الأقران والدعم خلال بدائل تعليمية خطر العزوف في تحصيلهم المنظّمة والمعلّمين النفسي خاصة، في حين اعتمد عن الدراسة العلمي والخاضعة والاجتماعي المتعلمون الأكثر والتسرب للإشراف خلال هشاشة على نظام النهائي منها الحرب التعليم الرسمي المعطّل
التعليم بوصفه بوابة إلى حقوق أخرى
امتدت آثار الحرب إلى ما هو أبعد من التعلّم. إذ عانى الأطفال النزوح وانعدام الأمن والانقطاعات المتكرّرة وعدم ًاليقين بشأن المستقبل. وكان العبء النفسي بالغ ا. فقد أشارت البيانات الوطنية إلى ظًهور أعراض مرتبطة بالقلق لدى سبعة من كل عشرة أطفال، بينما ظًهرت أعراض مرتبطة بالاكتئاب لدى ما يقارب ستة من كل عشرة أطفال. وفي الوقت نفسه، كان أكثر من40ألف طفل يعيشون في مراكز إيواء جمعية شملها التقييم، والذي خلُص إلى أن خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي هي إحدى أبرز الاحتياجات غير الملبّاة � في حالات الطوارئ، لا يقتصر دور التعليم على التعلّم فحسب، حيث تتيح المدارس الوصول إلى الحماية وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي والتواصل الاجتماعي، وتوفّ ر للأطفال التواصل مع أشخاص بالغين موثوقين، فضلا ً عن الإحساس بالروتين والاستقرار. وغالبًا ما تُشكّ ل المدارس نقطة انطلاق لرصد مخاطر الحماية، وربط الأطفال بالخدمات، وصون حقوقهم الأساسية الأخرى.
الاعتداءات على التعليم
كشفت الحرب عن هشاشة القطاع التعليمي أمام الاعتداءات وتعطّ ل نظام التعليم؛ فقد أفادت التقارير بتدمير أكثر من مئة مدرسة أو إلحاق أضرار جسيمة بها . التزم لبنان، بصفته دولة موقّ عة على "إعلان المدارس الآمنة"، برصد الاعتداءات التي طالت المؤسسات التعليمية، وتوثيق الأضرار التي لحقت بالعملية التعليمية. ويُبرز حجمُ التعطيل الحاجة ّإلى آليات أقوى لرصد الاعتداءات على التعليم، وتوثيق آثارها، وصون حق الأطفال في التعلم في أثناء حالات الطوارئ �
الفجوة بين الأدلّة والإجراءات
كانت الأدلّة جليّة قبل الحرب وطوال فترة اندلاعها. وقد وثّقت تقييمات وزارة التربية والتعليم العالي وجود تراجع ّحاد ّ في مستوى التعل م قبل الحرب، في حين أظًهرت تقييمات حالات الطوارئ أن أعدادً ا كبيرة من الأطفال النازحين لم تتمكّ ن من الوصول إلى التعلّم خلال الأزمة.
ّحدد إطار استمرارية التعلّم (Learning Continuity Framework)حلولا ً عملية، شملت التعلّم الذي يستند إلى المجتمع المحلّي، والنُه ّج المختلطة، والمواد التعليمية المطبوعة، وفرص التعلم في أماكن النزوح. ومع ذلك، أظًهرت نتائج التقييم السريع لاحتياجات الحالات الطارئة (Emergency Rapid Needs Assessment – ERNA) أن هذه التدابير لم تصل إلى كثير من الأطفال؛ إذ إن أكثر من نصف الأطفال المقيمين في مراكز الإيواء الجمْ عية لم يكونوا ملتحقين بالتعليم الابتدائي، في حين لم يكن ستة من كل عشرة مراهقين ملتحقين بالتعليم الثانوي. وفي الوقت نفسه، أفادت أكثر من ثماني أسر نازحة من كل عشر بحاجتها إلى الاتصال بالإنترنت والأجهزة [الرقمية] اللازمة للتعلّم، ما يبرز حجم المعوّ قات التي تحول دون الوصول إلى التعلّم عن بُعد � يعكس هذا التباين فجوة بين السياسات والممارسة. صحيح أن خطة وزارة التربية والتعليم العالي أدرجت استمرارية التعلّم بوصفها أولويّة، إلا أن كثير ا من الأطفال النازحين ظًلّوا منقطعين عن التعليم خلال الفترة التي كانوا فيها بأمس الحاجة إليه.
الامتحانات الرسمية والواقع الذي يواجه الأطفال
ظًهر الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية غير متوافق مع واقع الأطفال واحتياجاتهم للتعافي. ولم تكن المسألة تتعلّق بأهمية الامتحانات في حد ّ ذاتها، بل بما إذا كان ينبغي أن تحظى بالأولوية على حساب التعافي التعليمي، والرفاه النفسي والاجتماعي، واستمرارية التعلّم في أعقاب الحرب.
فالأطفال الخارجون من تجربة النزوح، والانقطاع عن التعلّم، والضغوط النفسية، يحتاجون إلى فرص للتعويض عمّ ا فاتهم، واستعادة ثقتهم بأنفسهم، وتجديد صلتهم بالتعليم قبل إخضاعهم لامتحانات مصيرية. إضافة إلى ذلك، وقبل قرار مجلس الوزراء إلغاء الامتحانات، جرى توجيه موارد مالية وإدارية ضخمة لتنظيمها، قُ دّ رت كلفتها بنحو ثلاثة إلى أربعة ملايين دولار أميركي. وفي وقت ٍ كان مئات الآلاف من الأطفال يواجهون انقطاعً ا في التعليم، وتراجعً ا في مستوى التعلّم واسع النطاق، وضغوطً ا نفسية واجتماعية كبيرة، أثار تخصيص موارد مالية لإجراء الامتحانات تساؤلات مهمة بشأن مدى اتّساق هذا النهج مع مبادئ التعليم الجيّد، والتعافي التعليمي، ومصلحة الطفل الفضلى.
تشكّ ل هذه التوصيات أولويات للتدخل وتستند إلى التزامات لبنان القانونية والدولية، وتنبع من مسؤوليته عن صون حق الأطفال في التعليم خلال حالات الطوارئ والنزاعات:
التعليم بوصفه ركيزة أساسية للاستجابة الأولى في حالات الطوارئ
يجب ألا يتوقّ ف الحق في التعلّم خلال حالات الطوارئ. فلبنان دولة طرف في اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم الدول بضمان وصول الأطفال إلى التعلّم ودعم نموهم، حتى في أوقات الأزمات. ويُعترف عالميًا بالتعليم بوصفه مكوّ نًا منقذً ا للحياة في الاستجابة الإنسانية، لما يوفّ ره للأطفال المتضرّرين من النزاعات والنزوح من حماية ودعم نفسي واجتماعي واستقرار واستمرارية.
بناء ً عليه، ينبغي إشراك وزارة التربية والتعليم العالي منذ اللحظات الأولى لبدء حالة الطوارئ، إلى جانب الجهات الفاعلة في قطاعات الإيواء والصحة والأمن الغذائي والحماية وتوفير المياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية للجميع، بدلا ً من الانتظار إلى حين إعادة فتح المدارس.
إعطاء الأولوية للتعلّم الأساسي
مع تراكم فجوات التعلّم مع تقدّ م الأطفال في المراحل الدراسية، لا يُستوفى الحق في التعليم بإتاحة الوصول إليه فحسب، بل يتطلّب تعلّمً ا فعليًا ذا دلالة. وينعكس هذا المبدأ في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، وفي جهود لبنان لإعادة تأهيل القطاع التعليمي وإصلاحه. لذلك، ينبغي أن تتمثّل الأولوية القصوى لوزارة التربية والتعليم العالي خلال فترات الأزمات في صون المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب واستعادتها، ودعم التعافي التعليمي، وضمان عدم توجيه القدرات التعليمية أساسا إلى إدارة مراكز الإيواء. أما استئناف تدريس المنهج الدراسي كاملاً ، فيجب ألا يأتي إلا بعد معالجة هذه الأسس.
إيصال التعليم إلى أماكن تواجد الأطفال
بموجب الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان والمعايير الإنسانية، لا يجوز أن يؤدّ ي النزوح إطلاقً ا إلى تعليق حق الطفل في التعلّم. وعندما يتعذّ ر على الأطفال الوصول إلى المدارس بسبب النزاعات أو انعدام الأمن أو النزوح أو استخدام المدارس مراكز َ إيواء، ينبغي تكييف الخدمات التعليمية وتقديمها من خلال المساحات المؤقتة للتعلّم، أو التعلّم الذي يستند إلى المجتمع المحلّي، أو طرائق التعليم المختلطة، أو الترتيبات التعليمية البديلة. ولا تقع المسؤولية على عاتق الأطفال للوصول إلى التعلّم، بل تقع على عاتق المنظومة التعليمية مسؤولية ُ إيصال التعليم إليهم �
حماية التعليم ورصد الاعتداءات عليه
اعتمد لبنان "إعلان المدارس الآمنة"، وهو التزام سياسي يهدف إلى حماية التلاميذ والمعلمين والمدارس والجامعات خلال النزاعات المسلحة. يُلقي هذا الالتزام ُ على عاتق السلطات الوطنية، بما فيها وزارة التربية والتعليم َالعالي، مسؤولية رصد الاعتداءات على التعليم، وتوثيق الأضرار، ودعم استمرارية التعلّم، والحد من تداعيات الحروب على التعليم. بناء عليه، يجب إضفاء الطابع المؤسسي على عملية رصد الاعتداءات على التعليم ضمن النُظُ م الحكومية، وألا تعتمد حصرًا على وكالات الأمم المتحدة أو الجهات الإنسانية أو التمويل الخارجي؛ إذ تضطلع وزارة التربية والتعليم العالي بمسؤولية قيادة النظم الوطنية للمعلومات الخاصة بالاضطرابات المؤثرة في التعليم، وتنسيقها وصيانتها �
إزالة المعوّقات الإدارية أثناء حالات الطوارئ
لا يجوز أن تؤدّ ي التأخيرات الإدارية إلى تعليق حق الطفل في التعلّم. ففي حالات الطوارئ، ينبغي تبسيط إجراءات الموافقة، وآليات انتشار العاملين وتوزيع الموارد، وتصاريح الوصول، والمتطلّبات التشغيلية، بما يتيح التحرّك السريع على مستويات المدرسة والبلدية والمجتمع المحلّي. تُعد ّ تدابير التأهّ ب، وبروتوكولات الاستجابة المعتمدة مسبقً ا، وتفويض صلاحيات اتخاذ القرار، عناصر أساسية لضمان تفعيل الاستجابة التعليمية فور اندلاع الاضطرابات؛ إذ إن تأخّ ر القرارات غالبًا ما يحرم الأطفال من فرص التعلّم.
إعطاء الأولوية لمصلحة الطفل الفضلى
يتطلّب مبدأ مصالح الطفل الفضلى، المنصوص عليه في المادة الثالثة من اتفاقية حقوق الطفل، والمُ كرّس في مختلف أطر حمايته، بأن يكون رفاه الأطفال ونموهم وحمايتهم وفرصهم المستقبلية الاعتبارَ الأساسي في جميع القرارات التي تمسّ هم.
ّويعني ذلك، عمليًا، أن تُقيّم القرارات المتعلقة بإغلاق المدارس، والنزوح، واستخدام المدارس مراكز َ إيواء، وطرائق التعليم، وتخصيص الموارد وفقًا لتأثيرها في الأطفال، لا بما يناسب المؤسّ سات التعليمية. وينبغي أن تسترشد جميع القرارات التعليمية أثناء حالات الطوارئ بمبادئ التعافي التعليمي، والرفاه النفسي والاجتماعي، والدمج، والحماية، والإنصاف.
Assessment and Analysis Working Group (AAWG) & Emergency Rapid Needs Assessment (ERNA). "Inside Collective Shelters: Results." Unpublished Assessment. Inter-Sector Coordination Group. Beirut. 2026. Emergency Rapid Needs Assessment (ERNA). "Inside and Outside Collective Shelters: Education Sector Kay Findings." Assessment and Analysis Working Group (AAWG).
Global Coalition to Protect Education from Attack (GCPEA). The Safe Schools Declaration. at: https://ssd.protectingeducation.org/ Human Rights Watch. "Lebanon: Israeli Forces Occupied, Vandalized Schools. Apparent War Crimes Jeopardize Right to Education." 6 August 2025. at:https://acr.ps/hBy2SzX Inter-Agency Network for Education in Emergencies (INEE).INEE Minimum Standards for Education: Preparedness, Response and Recovery.2024.at:https://acr.ps/hBy2SZg Ministry of Education and Higher Education (Lebanon) (MEHE). "Guidelines for Supporting Learning Continuity in Shelters." Unpublished Paper.
________ & Centre for Educational Research and Development (CERD). "National Diagnostic Assessment Report - Comprehensive Analysis of Basic Education Results Grades 1 Through 6." Academic Year 2024–2025. Unpublished Paper.
Save the Children. "Education Disrupted for Sixth Year for 1.5 Million Children in Lebanon, with Half of Public Schools Used as Shelters." 9 October 2024. at:https://acr.ps/hBxVKce Shuayb, Maha et al. Education Under Fire: A Rapid Study of Parents’ and Teachers’ Readiness for School Amidst Israeli Attacks on Lebanon. Beirut/Cambridge: Centre for Lebanese Studies (CLS) & REAL Centre; University of Cambridge, 2024. at:https://acr.ps/hBy2SPp United Nations Children’s Fund (UNICEF). "At Least 100,000 Children Risk Missing the Next School Year Without Urgent Action to Restore Lebanon’s Schools." Press Release. 2 July 2026. at:https://acr.ps/hBy2SJO World Bank Group. "70% of 10-Year-Olds now in Learning Poverty, Unable to Read and Understand a Simple Text." Press Release no. 2022/074/EDU. 23 June 2022. at:https://acr.ps/hBy2Sg0