ُلم تنهِِ عودة النازحين إلى جنوب لبنان، الأزمة الإنسانية التي خلّّفتها الحرب، ولا تداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية. فعلّى الرغم من عودة آلاف الأسر إلى مدنها وبلّداتها وقراها، فإن العودة هِبالنسبة إلى كثيرين، بقيت مشروطة بجملّة من العوامل وفق ما تكشف هذه الدراسة، وفي مقدمها استتباب الأمن، وبدء عملّية إعادة الإعمار، واستعادة سبل العيش، وانتظام الخدمات الأساسية وتحمّ ل الأجهزة الحكومية مسؤولياتها في إدارة مرحلّتي إعادة الإعمار والتعافي. لذلك، لم تتحول العودة المكانية، علّى أهميتها، إلى استقرار مستدام؛ بل بقيت مرحلّة انتقالية يشوبها الحذر وقابلّية للانتكاس عند أي تصعيد عسكري في ظل استمرار غياب مقومات التعافي.
تستند الدراسة إلى ثماني مجموعات نقاش مركّزة شارك فيها أربعة وستون من النازحين والنازحات الذين عادوا حديثًا إلى جنوب لبنان، موزعين بحسب الجنس والفئة العمرية. وهدفت الدراسة إلى فهم تجربة العودة وفق ما يرويها العائدون أنفسهم، ورصد الأنماط المتكررة في رواياتهم حول قرار العودة، ومصادر المعلّومات، والسكن، والخدمات والأمن، والمساعدات وسبل العيش، والثقة في المؤسسات، واحتمال تجدد النزوح، والتماسك الاجتماعي.
تكشف نتائج هذه الدراسة أن قرار العودة لم يكن، في معظم الحالات، نتيجة توجي هِ رسمي واضح أو تقييم مؤسسي معلّن للّوضع الأمني. بل تشكّ ل تدرّج ا من خلال شعور الناس بالحنين إلى ديارهم وارتفاع كلّفة النزوح، وضيق أماكن الإقامة، والحاجة إلى العمل أو إلى تفقد الممتلّكات، ومراقبة عودة الآخرين. وقد لخّ ص أحد المشاركين هذه الدينامية بقولهِ:"ما كان في قرار رسمي، بس شفنا الكل رجع" . وهذا يشير إلى أن الأسر اعتمدت علّى شبكاتها الاجتماعية ومراقبة سلّوك الناس أكثر من اعتمادها علّى القنوات الرسمية عند اتخاذ قرار مصيري يتعلّق بأمنها ومستقبلّها.
وتُبرز الدراسة أن الأمن يبقى العامل الحاسم في تثبيت العودة. فقد أث ّ ر استمرار الخروقات، وتحلّيق المسيّرات والاستهدافات الإسرائيلّية، واحتمال تجد ُ د الحرب... في قرارات الأسر المتعلّقة بترميم منازلها وإعادة مزاولة أعمالها، وزراعة أراضيها وإرسال أبنائها إلى المدارس، والتوج هِ إلى استثمارات طويل الأمد. لذلك، لم يؤد ِ الإعلان عن اتفاق وقف الأعمال الحربية في حزيران/يونيو2026إلى شعور مستدام بالأمان . وقد قال أحد المشاركين:"رجعنا، ولكن لسنا مطمئنين ." هذا وتكشف الدراسة عن فجوة واضحة بين الاستجابة الإنسانية خلال النزوح ومتطلّبات مرحلّة العودة. فقد استفادت أسر كثيرة من مساعدات قدمتها جهات حكومية وجهات غير حكومية أثناء فترة النزوح . إلا أن المشاركين في الدراسة رأوا أن الدعم تراجع بعد العودة، في وقت ازدادت الحاجة إلى ترميم المنازل، وتأمين السكن المؤقت، وإعادة تأهيل الخدمات وتشغيلّها، واستعادة مصادر الدخل.
"ما كان في قرار يُعتَبر الوضع الاقتصادي أحد أكثر عناصر العودة هشاشة. فقد تضرر رسمي، بس القطاع الزراعي بشكل كبير وطالت الأضرار المؤسسات الصغيرة والأعمال شفنا الكل رجع" ذات مصادر الدخل اليومية، واستُنزفت المدخرات خلال النزوح، واضطرت بعض الأسر إلى الاعتماد علّى الأقارب أو تحويلات المغتربين أو بيع بعض الممتلّكات... وقد عب ر أحد الشباب عن ذلك بقولهِ: "نحن حالي ً ا في مرحلّة استنزاف، نصرف ما كان لدينا". وتؤكد النتائج أن إعادة بناء المنازل، علّى أهميتها، لا تكفي ما لم تترافق مع إعادة تنشيط الاقتصاد المحلّي وتوفير فرص عمل مستدامة.
وتشير المناقشات إلى أن آثار الحرب لم تقتصر علّى الأضرار المادية والاقتصادية فحسب، بل امتدت إلى الثقة في المؤسسات والعلاقات داخل المجتمع المحلّي أيضً ا. فقد تحدث المشاركون عن تباينات متزايدة في تقييم الحرب وأدوار القوى السياسية، وعن اتساع مساحة النقاش النقدي، إلى جانب مخاوف من التوتر والتخوين. ومع أن هذه التباينات لا تمثل قياسً ا للّرأيالعام،إلاأنهاتكشفعنديناميات اجتماعيةوسياسيةجديدةتستحق المتابعة، لا سيما في مرحلّتَ ي إعادة الإعمار والتعافي.
وتخلّص الدراسة إلى أن استدامة العودة تتطلّب مقاربة لا تقتصر علّى إعادة بناء المساكن، بل تمتد إلى إحياء مقومات الحياة. ويعني ذلك الجمع بين حفظ الأمن أو استتبابهِ، وإعادة الإعمار، وتطوير الخدمات، واستعادة سبل العيش، وتمكين البلّديات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، والاستثمار في التماسك الاجتماعي. من هنا، توصلّت الدراسة إلى اقتراح سبع أولويات لمرتلّت ي التعافي وإعادة الإعمار، وಖّي:
1- تعزيز الأمن والاستقرار بوصفهما الأساس الذي تقوم علّي هِ جميع جهود التعافي، مع توفير معلّومات رسمية موثوقة وتعزيز التواصل مع العائدين من النزوح. 2- إطلاق خطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار، تقودها الحكومة اللّبنانية، وتحدد الأولويات ومصادر التمويل والجدول الزمني، وتتيح للّمجتمعات المحلّية المشاركة في تحديد الاحتياجات ومتابعة التنفيذ.
3- تسريع إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يشمل المياه والكهرباء والاتصالات والطرقات والمدارس والمراكز الصحية والأسواق المحلّية. 4 - تمكين البلّديات واتحادات البلّديات، وتزويدها بالموارد والقدرات وآليات التنسيق اللازمة، مع ربط التمويل بمعايير واضحة للّشفافية والمساءلة.
5 - استعادة سبل العيش وتنشيط الاقتصاد المحلّي، من خلال دعم الزراعة والمؤسسات الصغيرة والأعمال ذات مصادر الدخل اليومية، والجمع بين المساعدات النقدية العاجلّة والاستثمارات الطويلّة الأمد. 6 - تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة برامج التعافي والتعويضات، واعتماد معايير معلّنة وآليات واضحة للّشكاوى والاعتراض، وضمان عدم ربط المساعدة بالانتماء السياسي.
7 - الاستثمار في التماسك الاجتماعي والدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين الشباب والنساء، وفتح مساحات للّحوار علّى المستوى المحلّي.
تمث ّ ل عودة النازحين إلى بلّداتهم ومدنهم إحدى أكثر مراحل ما بعد الحروب تعقيدً ا. فالعودة، خصوصً ا في مراحلّها الأولى، لا تعني بالضرورة انتهاء آثار الحرب، كما أن الوصول إلى المنازل لا يقود تلّقائيًا إلى استعادة الحياة الطبيعية. ولكن، في كثير من الأحيان، تبدأ مرحلّة جديدة تواج هِ فيها الأسر النازحة تحديات لا تقل صعوبة عما واجهت هِ أثناء فترة النزوح، منها ما يشمل كيفية تأمين المسكن وتأهي لّ هِ أو إعادة إعماره، والشعور بالأمن والأمان، وتأمين مصدر للّدخل بعد انقطاعهِ، والحصول علّى الخدمات الأساسية والاجتماعية مثل التعلّيم والصحة، وإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية.
ثمة دراسات تؤكد أن العودة المكانية، أي الرجوع إلى مكان السكن الأصلّي، لا الإعمار، وغياب رؤية واضحة لدور الدولة ومؤسساتها ًولمسار المرحلّة المقبلّة. لذلك، لم تكن العودة انتقالا بسيط ً ا من مكان النزوح إلى مكان السكن الأصلّي، بل شكلّت اختبار ً ا لقدرة الأسر علّى البقاء والتخطيط والاستثمار منجديد. وقد انعكس ذلك بوضوح في روايات المشاركين وآرائهم الذين عادوا إلى منازل متضررة أو بلّدات تعاني نقصًا حادً افي الخدمات.
إن هذه الدراسة تنطلّق من فرضية مفادها أن العودة ليست نهاية الأزمة ولو أنها تشكل بداية مسار الانتقال من حالة الحرب الى حالة التعافي. من هذا المنطلّق، تسعى إلى فهم تجربة العائدين كما يروونها بأنفسهم، واستخلاص دلالات تساعد صناع القرار والجهات المانحة والبلّديات والمنظمات العودة ليست تتحول تلّقائيًا إلى حل مستدام ما دامت غير الحكومية علّى تصميم سياسات وبرامج نهاية الأحمة احتياجات الحماية والمساعدة المرتبطة بالنزوح قائمة. وتصبح العودة أكثر استقرارًا حين تتمكن الأسر من العيش بأمان، وتأمين سكن لائق، والوصول إلى الخدمات والتعلّيم والعمل، واستعادة حقوقها في السكن والأرض والملّكية أو الحصول علّى تعويض عنها . لذلك، يتشكل قرار العودة من تطورات الوضع الأمني، والوضع الاقتصادي، والروابط الاجتماعية ، ومدى الثقة في المعلّومات المتوفّ رة عن مناطق العودة .
لقد كانت العودة إلى جنوب لبنان خلال الأسابيع الأخيرةفي بيئة اتسمت باستمرار الخروقات الأمنية، واتساع حجم الدمار، وتراجعالخدمات، وتأخر البدء بإعادة وتدخلات أكثر استجابة لاحتياجاتهم الفعلّية وصوغها، خصوص ا في المرحلّة الانتقالية بين النزوح والتعافي. فالتقييمات الفنية للأضرار، علّى أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم ما يؤثر في قرار الناس بالبقاء، أو ما يدفعهم إلى تأجيل ترميم منازلهم، واستئناف أعمالهم، وإعادة أبنائهم إلى المدارس، ولا تكشف مستوى ثقتهم في الدولة والبلّديات والجهات المانحة أيضً ا.
إن ّ أهمية هذه الدراسة تنبع من انتقالها بالنقاش من مرحلّة النزوح إلى مرحلّة العودة؛ فقد حظيت أوضاع النازحين خلال الحرب بقدر كبير من التقييم والمتابعة، وقد ظل ّ التركيز منصب ً ا علّى النزوح حتى بعد بدء حركة العودة، وبقيت أوضاع العائدين وشروط استقرارهم أقل اهتمامً ا وعناية ، علّى الرغم من أن مرحلّة العودة هي التي تتحدد خلالها فرص الاستقرار أو مخاطر تجدّ د النزوح.
ومن خلال روايات العائدين أنفسهم يمكن فهم الفجوة بين ظواهر العودة والواقع المعيش هِالذي يواجهون بعد العودة . وتربط الدراسة استدامة العودة بالأمن والأمان، والاقتصاد المحلّي، والخدمات، والثقة، والتماسك الاجتماعي، بدلا ً من اختزالها في إعادة بناء المساكن.
فالبيوت قد تكون صالحة للّسكن، لكن الأسر قد لا تشعر بالأمان. وقد تعود إمدادات الكهرباء، لكن الأسواق وفرص العمل والرعاية الصحية قد تبقى متعثرة. وقد ُت علّن خطط للّتعافي، لكن السكان لا يلّمسون أثرًا واضحً ا لها. من هنا، يلّح السؤال المركزي: ما الذي يجعل العودة بداية ً لاستقرار مستدام، لا مجرد عودة إلى مكان السكن؟
ترسم مجموعات النقاش في إجابتها عن هذا السؤال صورة مركّ بة، وهذا ما تشرح هِ الدراسة. فثمّ ة تعلّّ ق قوي بالأرض، ورغبة واضحة في البقاء، لكن هذه الرغبة تصطدم بالخوف من عودة الحرب، والضغوط الاقتصادية وخدمات غير مكتملّة، وثقة ضعيفة في المؤسسات. لذلك، تبدو العودة، بالنسبة إلى قسم كبير من المشاركين في الدراسة، مرحلّة انتقالية معلّقة بين النزوح والاستقرار؛ فقد عادوا إلى منازلهم، لكن شعورهم بالاستقرار ظل ّ هشً ا، وبقي هاجس النزوح من جديد حاضرًا في حساباتهم.
اعتمدت الدراسة منهجية نوعية استكشافية قائمة علّى ثماني مجموعات نقاش مركّ زة ضمن جلّسات، ضمت كل ٌ منها ثمانية مشاركين ومشاركات، بإجمالي أربعة وستين مشاركا ومشاركة. وراعى توزيع المجموعات التنوع بحسب الجنس والفئة العمرية، إذ خُ صّ صت أربع مجموعات للّرجال وأربع للّنساء، وتوزعت بالتساوي بين الفئة العمرية من 18 إلى 29عامً ا والفئة من 30 إلى 60عامً ا.
لقد راعى اختيــار المشــــاركين تنـــوّ ع أوضاعهــــم الاجتماعيــــة، والاقتصاديـــــة وخبراتهـــم المعيشيـــة والمهنية. وضمّ ــت المجموعــات مشاركين من شرائح اجتماعية ومهنية متنوعة، من بينهم مزارعون وأصحاب مصالح صغيرة. وهدفت الدراسة بشكل أساسي إلى جمع روايات متنو هِعة تساعد في فهم أوج هِ التشاب والاختلاف في تجارب العودة.
وقد أ ُ ديرت الجلّسات وفق دليل نقاش موحد تناول تجربة النزوح، وقرار العودة، ومصادر المعلّومات، والسكن، والخدمات، والأمن، وسبل العيش، واحتمال تجدّد النزوح، وتقييم الاستجابة، وأولويات التعافي. وقد سُ ج َلّ ت الجلّسات بعد الحصول علّى موافقة المشاركين، ثم نُسخت التسجيلات ورُ وجعت لضمان الدقة، كما حُ ذفت بيانات قد تكشف هويات المشاركين، ولم تُذكر أسماؤهم في الدراسة.
اس ــــتند التحلّيـــل إلى قراءة موضوعي ـــة للّنصوص المفرغة، واســــتخراج الموضوعــات المتكررة، ومقارنة أنماط الإجابات بحسب الجنس والعمر. واستُخدم تكرار الموضوعات لبيان مدى حضورها في النقاشات، من دون اعتباره مقياسً ا لانتشارها في الرأي العام. وقد اختيرت اقتباسات واردة في الدراسة لما تنق لّ هِ بوضوح من تجارب ومواقف برزت في أكثر من جلّسة، ولقدرتها علّى طرح جوانب شديدة الحساسية والتعقيد بلّغة مباشرة.
أم ّ ا أبرز قيود الدراسة فتتمثل في أن عددًا كبيرًا من سكان القرى الأقرب إلى خطوط المواجهة لم يكن قد عاد وقت عقد الجلّسات، ما يعني أن تمثيل الأسر غير القادرة علّى العودة لم يكن حاضرًا بالقدر الكافي؛ فضلا ً عن أن المشاركين ينتمون إلى بيئة اجتماعية وبيئة طائفية متقاربتين، وهو ما يحد من إمكان مقارنة التجربة بأخرى في مجتمعات مختلّفة. والجدير بالذكر أن طبيعة النقاش الجماعي قد تؤثر في طريقة التعبير عن القضايا السياسية الحساسة أيضً ا، إما من خلال زيادة الجرأة لدى بعض المشاركين وإما التحفظ لدى آخرين.
مع ذلك، توفر الدراسة مادة نوعية غنية توثق لحظة انتقالية شديدة الحساسية. فهي لا تسعى إلى الإحاطة بتجارب جميع سكان الجنوب، لكنها تقدم فهمً ا أعمق لكيفية قراءة العائدين تجربتهم، والعوامل التي تدعم استقرار العودة أو تبقيها معلّّ قة، وما يتوقعون هِ من أجهزة الدولة والبلّديات والجهات المانحة في مرحلّة التعافي. إن هذه المعرفة تشكل بداية مهمة لتصميم برامج تعاف تنطلّق من تجارب الناس واحتياجاتهم الفعلّية، ولا تقتصر علّى معالجة الأضرار المادية وحدها.
تكشف مجموعات النقاش أن العودة لم تكن، في معظم الحالات، استجابة لقرار رسمي أو لتوجيهِ حكومي واضح، وإنما جاءت نتيجة تداخل الحنين إلى المنازل، وضغط كلّفة النزوح، والحاجة إلى تفقد الممتلّكات أو استئناف العمل، إلى جانب متابعة عودة النازحين الآخرين. لذلك، لم يكن القرار وليد لحظت هِ أو استنادا إلى مصدر محدد، بل تبلّور تدرّجا مع تغير الظروف وشعور الأسر بأن الاستمرار في مكان النزوح أصبح أصعب من المخاطرة بالعودة.
وبرز التع لّ ّ ق بالمنازل والبلّدات بوضوح في روايات المشاركين، لا سيما النساء اللّواتي تحدّثن عن الراحة التي لا يجدنها إلا في بيوتهن، وعن افتقادهن الإحساس بالانتماء في أماكن النزوح.وقد عبرت إحدى المشاركات بالقول: "الواحد بيرتاح ببيتو أكتر"، وقالت أخرى: "ما في انتماء بمكان ما كان عايش الواحد". وتداخل هذا الدافع العاطفي مع ضغوط معيشية متزايدة، من بينها كلّفة الإيجار، وضيق السكن، وطول فترة الإقامة المؤقتة، ما دفع بعض الأسر إلى العودة قبل توفّ ر ضمانات كافية.
بالنسبة إلى بعض الرجال والشباب، ارتبطت العودة بالعمل وتفقد الممتلّكات. فقد قال أحد المشاركين: "العالم رجعت، اضطررت أن آتي لكي ألبي الناس وأشتغل". وعاد آخرون بسبب الدراسة، أو لصعوبة إدارة حياتهم في أماكن النزوح. أما لدى بعض كبار السن، فارتبط القرار بالبيت والكرامة وعدم القدرة علّى تحمل النزوح، حيث قال أحدهم أنهم عادوا "علّى الضيعة بكرامتنا" بعد الذي واجههم من ضغوط في مكان الإقامة المؤقتة.
"العالم عم تاخد شعور الأمان من بعض" وكانت متابعة عودة النازحين الآخرين من أبرز العوامل المؤثرة في القرار. وقد عبر أحد المشاركين بالقول: "ما حدا قال ارجعوا، بس الناس لحالها رجعت"، وأضاف آخر: "العالم عم تاخد شعور الأمان من بعض".
تكشف هذه العبارات أن حركة الناس أصبحت مصدرًا للّمعلّومات والطمأنينة، وحلّت جزئي ا محل هِالتوجي الرسمي. وقد عاد بعض المشاركين بعد إرسال فرد من الأسرة لتفقد الوضع، أو بعد ملاحظة عودة الحركة والناس إلى البلّدة. في المقابل، عبّر المشاركون عن ضعف الثقة في المصادر الرسمية والسياسية والإعلامية. لم يشعر كثيرون أن الدولة أو الجيش أو البلّديات أو القوى السياسية وفّ رت لهم إرشادات واضحة بشأن توقيت العودة ومستوى الأمان. وتكررت عبارات مثل: "لم نحصل علّى معلّومات" و"لا يوجد مصدر رسمي". وفي إحدى المجموعات، جاءت الإجابة المباشرة عن سؤال الثقة: "لا أثق بأحد".
وإلى جانب متابعة حركة الناس، ثمّ ة شباب اعتمدوا علّى الأخبار ووسائل التواصل وبعض الإشارات السياسية الخارجية. وقد ذكر أحدهم أن هِ قرأ خبرًا عن إعلان وقف إطلاق النار، ورأى الناس يعودون، فعاد معهم. وهذا ما يوضح أن قرار العودة تبلّور لدى بعضهم في ظل معلّومات متفرقة وغير مكتملّة، اعتمدت علّى متابعة الأفراد وتقديراتهم الشخصية.
تشير هذه الدينامية إلى فجوة واضحة في إدارة العودة. فمع غياب التوجي هِ الرسمي، تمضي الأسر في اتخاذ قراراتها بالاعتماد علّى مصادر بديلّة تتباين في مضمونها ويصعب التحقق من دقّ تها. ويترك ضعف التواصل الرسمي الأسر النازحة من دون معلّومات واضحة عن المناطق الأكثر أمانًا، والخدمات المتاحة، والطرقات المفتوحة، والإجراءات الواجب اتباعها عند تجدد الخطر.
ومن خلال النقاشات في الجلّسات، برزت مسألة دور القوى السياسية المحلّية في قرار العودة؛ فقد توقّ ع بعض المشاركين صدور توجي هِ من هذه القوى، لا سيما "الثنائي الشيعي" في ظل استمرار الخروقات وعدم اكتمال الانسحاب من بعض المناطق. وقال أحد الشباب:
"كنا ننتظر بيانً ا، لكن لم يقوموا بذلك، ورأينا العالم ترجع لذلك أتينا". ولم يتفق المشاركون علّى تفسير هذا الغياب؛ فقد رأى بعضهم أن هِ يعكس عدم وضوح الوضع الأمني، فيما ربط هِ آخرون بتفاهمات إقلّيمية ودولية تتجاوز القرار المحلّي.
علّى الرغم من ذلك كلّهِ، فإن طبيعة الدراسة لا تسمح بتعميم هذه المواقف السياسية، لكنها تكشف مسألة أساسية، هي أن المشاركين لم يجدوا جهة واحدة موثوقً ا فيها يرجعون إليها عند اتخاذ قرار العودة. وهذا يؤكد حاجة الدولة والبلّديات والمؤسسات العامة إلى منظومة تواصل رســـمية تزوّ د العائدين بمعلّومات واضحة ومحدّ ثـــة عن المخاطــــر والخدمــات والإجراءات المتاحة.
علّى الرغم من عودة المشاركين إلى بلّداتهم، فإن كثرًا منهم لم يشعروا بأنهم استعادوا حياتهم. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تفاوت الأضرار التي لحقت بالمنازل؛ فاقتصر بعضها علّى الزجاج والأبواب وشبكات الكهرباء، فيما أصبح بعضها الآخر غير صالح للّسكن أو دُ مّ ر بالكامل. وعاد بعض المشاركين إلى أحياء تفتقر إلى المياه والكهرباء والاتصالات. وعن هذا قال أحد الشباب:
"يوجد الكثير من الدمار ولا يوجد مقومات للّحياة من مياه وكهرباء وإرسال". ثمّ ة عائدون اضطروا إلى الإقامة لدى الأقارب أو في مساكن بديلّة داخل البلّدة؛ فقد قال أحد الشباب: "هناك أضرار كبيرة، أنام حاليًا عند جدتي"، بينما اختصرت إحدى الفتيات تجربتها بقولها: "راح البيت". من هنا، نستنتج أن العودة إلى البلّدات لا تعني بالضرورة العودة إلى المنازل، وأن ثمّ ة أسرًا قد تبقى نازحة داخل مكان ّلّالعودة نفسهِ. وقد ظت حقائب كثيرين جاهزة، فيما لتأجالترميم وبقيت الخطط البديلّة قائمة. قال أحد المشاركين: "الشنط والأغراض بعدها بالسيارة"، وقالت "يوجد الكثير من الدمار ولا يوجد مقومات للّحياة من مياه وكهرباء وإرسال" إحدى النساء: "غراضنا بضلّوا بالشنط، ما قادر تستقر".
وهذا ما يكشف أن ثمّ ة أسرً ا لا تزال تدير حياتها بمنطق الطوارئ، وتتعامل مع العودة باعتبارها إقامة مؤقتة قد تنقطع مع أي تدهور أمني. ولا يرتبط الخوف من النزوح المتجدد بالوضع الأمني وحده، بل بقدرة الأسر علّى تحم ّ ل كلّفة نزوح جديد أيضً ا؛ فالأسرة التي استنزفت مدخراتها خلال النزوح السابق قد لا تتمكن من استئجار مسكن آخر أو الانتقال بسرعة.
وقد عبر أحد الرجال عن ذلك بالقول: "ما عاد حدا بدو يستقبلّنا... وإذا ما معك مصاري بتنام بالشارع". تكشف هذه العبارة تداخل الخطر الأمني مع الخوف من الفقر والتشر ّ د وصعوبة العثور علّى مكان بديل. من هنا، تميّز الدراسة العودة المكانية من العودة المستدامة. فالعودة المكانية تعني استئناف الإقامة في البلّدة أو المنزل، أما العودة المستدامة فتقتضي استعادة القدرة علّى العيش والتخطيط والعمل والاستثمار والبقاء. وتشير الروايات إلى أن كثر ً ا من المشاركين ما زالوا بين المرحلّتين: عادوا إلى المكان، لكنهم لم يستعيدوا بعد القدرة علّى التخطيط للّمستقبل بثقة.
علاوة علّى ذلك، تختلّف طريقة التعبير عن هذه الهشاشة بين المشاركين والمشاركات. فقد ركّ ز الرجال غالب ً ا علّى إمكان العمل وحالة المنازل وإمكان السكن فيها وتقدير المخاطر؛ بينما عبّرت النساء بصورة أوضح عن القلّق النفسي والاستعداد الدائم للّمغادرة؛ أما الشباب، فربطوا العودة بالدراسة والعمل والأصدقاء والقدرة علّى استعادة الحياة الطبيعية. وهذه الفروق تعكس تعدد وج هِ التجربة نفسها بين المشاركين والمشاركات.
من هذا المنطلّق، يمكننا القول إن عدد العائدين، لا يكفي للّحكم علّى نجاح العودة من عدمهِ. فاستدامتها تبدأ بوقف فعلّي ومستدام للأعمال الحربية، ثم بتوفير الشروط التي تتيح للأسر البقاء وفي مقدّمها استقرار السكن، والبدء بالترميم، واستعادة مصادر الدخل، وانتظام التعلّيم والخدمات.
ومن دون هذه المقومات، قد ترتفع أعداد العائدين من دون أن تتوف ّ ر لهم فعلّيًا شروط البقاء لأن هذه الأرقام وحدها لا تعكس بالضرورة مدى استقرار العودة واستدامتها.
ت ُ ظهر النتائج فجوة واضحة بين توقف العملّيات العسكرية الواسعة وشعور السكان بالأمان. فقد بقي احتمال دّتجد الحرب، إلى جانب تحلّيق المسيّرات والغارات والاستهدافات الإسرائيلّية واستمرار احتلال مناطقَواسعة من الجنوب، حاضرا في حياة المشاركين وتقديرهم للّمخاطر. لذلك، لم ينظر معظمهم إلى وقف إطلاق النار المعلّن في حزيران/يونيو 2026بوصف هِ نهاية للّحرب، بل رأوا في هِ مجرد توقف مؤقت للأعمال العسكرية قد ينتهي في أي لحظة.
وقد اختلّفت لغة التعبير عن الخوف بين المشاركين والمشاركات، حيث ركز الرجال والشباب علّى احتمالات الحرب والاستهدافات والمخاطر الميدانية، بينما وصفت النساء والفتيات التجربة من خلال أثر الأصوات والحركة علّى حياتهن اليومية. وعن هذا قالت إحدى المشاركات:
"الطيران الحربي أكتر شي بيعملّي قلّق"، وقالت أخرى: هِ"نخاف من صوت الصاروخ". واختصر أحد الشباب مخاوف بقولهِ: "ممكن ترجع تولع". لا يعني هذا الفرق في التعبير أن الرجال أقل خوفً ا من النساء، لأن هِ يعكس ببساطة اختلاف موقع كل فئة في الحياة اليومية؛ فالرجال تحدثوا أكثر عن الحركة التجارية والعمل وتقدير مصدر الخطر، فيما ربطت النساء الأمن باستقرار الأسرة والأطفال والقدرة علّى الخروج من المنزل. وكان كبار السن أقل استعداد ً ا للّمخاطرة من الشباب، نتيجة ثقل تجربة النزوح وصعوبة تكرارها.
"الطيران الحربي أكتر شي بيعملي قلّق" ًلذا، ما عاد الأمن محورً ا منفصلا عن بقية قضايا التعافي؛ فقرارات إصلاح المنازل، وإعادة مزاولة الأعمال، وزراعة الأرض، وإرسال الأبناء إلى المدارس، كلّها قرارات ارتبطت بتقدير الأسر لاحتمال استمرار الهدوء أو تدهور الأوضاع الأمنية. لذلك، فإن غياب الاستقرار الأمني يرفع كلّفة العودة، حتى حين تتوفّ ر بعض الموارد المتاحة. وقد قالت إحدى المشاركات:
"ما رح نصلّح الآن لنشوف الوضع". لذلك، تظهر بوضوح العلاقة بين الأمن والاقتصاد في تردد أصحاب المصالح في إعادة تفعيل/تشغيل أعمالهم ومصالحهم أو استثمار أموال إضافية فيها، وفي تفكير مشاركين في نقل أعمالهم إلى مناطق أكثر أمانًا، إضافة إلى تردّ د المزارعين في الاستثمار في موسم جديد إذا كان الوصول إلى الأراضي محفوفً ا بالمخاطر، وتحجم الأسر عن إنفاق مدخراتها علّى ترميم منازل قد تتضرر مجددً ا.
إن أثر انعدام الأمن يمتد إلى العلاقات الاجتماعية؛ فقد تحدث مشاركون عن تجنب مناطق معينة أو التوقف عن التنقل بعد استهدافات قريبة. فقد قال أحد الشباب أن هِ لم يعد يذهب إلى منطقة معينة بعد قصف مدفعي أثناء وجوده فيها. أما النسوة فقلّن أنهن يحددن حركتهن بسبب الخوف، حتى عندما تكون الطرق مفتوحة رسميًا.
إن هذه الإفادات تكشف أهمية التمييز الآمن بتعريف هِ النظري من شعور الناس بالأمان. فقد تتحسن المؤشرات الأمنية "رسميً ا"، لكن السكان لا يتخذون قراراتهم استنادً ا إلى هِالمعطيات الميدانية وحدها، بل إلى ما يرونهِ ويسمعون ويشعرون ب هِ أيضً ا. وهنا تكمن أهمية بناء الثقة باستمرار عبر معلّومات موثوقة، وتواصل رسمي، وإزالة مخلّفات الحرب، وتأمين الطرق، وإظهار قدرة الدولة علّى حماية الحياة اليومية.
من هنا، فإن المطلّوب يتمثل في إدماج الأمن في مختلّف برامج التعافي، بما يشمل سلامة الطرق، والوصول إلى الأراضي، وإزالة مخلّفات الحرب، وتوفير معلّومات موثوقة وخطط طوارئ واضحة. وهذا يتطلّب استعدادً ا مسبقً ا لأي نزوح محتمل، بما يخفف الخوف من المجهول ويتيح استجابة أسرع إذا تجدّ دت الحرب.
يُشكل المسكن نقطة الالتقاء الأولى بين العودة وإمكانية الاستقرار. والمسكن هنا هو المكان الذي تستعيد في هِ الأسرة خصوصيتها وروتينها اليومي وقدرتها علّى إدارة شؤون حياتها. غير أن الكثير من المشاركين في الدراسة عادوا إلى منازل متضررة أو غير صالحة للّسكن، أو إلى أحياء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ما أبقى عودتهم أقرب إلى إقامة مؤقتة منها إلى استقرار فعلّي.
وقد انعكست هذه الخسائر في أعباء مالية يصعب علّى كثير من الأسر تحم ّ لّها. وقدّ ر بعض الرجال المشاركين في الدراسة كلّفة الأضرار والإصلاح بما بين خمسة آلاف واثني عشر ألف دولار، ووصلّت في إحدى الحالات إلى ثلاثين ألفً ا، شملّت أضرارً ا لحقت بمؤسسة تجارية. وعلّى الرغم من أن هذه الأرقام لا تمثّل تقديرات فنية دقيقة، فإنها تبي ّ ن اتساع الفجوة بين كلّفة إعادة التأهيل والموارد المتاحة للأسر.
وحتى حين كانت الأضرار محدودة نسبيً ا، لم يكن قرار الترميم محسومً ا فقد ربط المشاركون الإنفاق علّى منازلهم بمدى ثقتهم في عدم تجدد التصعيد؛ فقد قالت إحدى المشاركات: "ما رح نصلّح الآن لنشوف الوضع"، فيما رأت مشاركة أخرى أن غياب إعادة الإعمار مؤشر إلى أن الحرب لم تنت هِ بعد: "إذا صار في إعادة إعمار يعني خلّصت الحرب؛ طالما ما في، يعني ما في بوادر خير".
وتكشف الدراسة أيضً ا عن فجوة بين الدعم المتاح أثناء النزوح والاحتياجات التي برزت بعد العودة. فقد قدمت مبادرات مجتمعية ومنظمات غير حكومية وبعض الجهات الرسمية دعمً ا للأسر خلال فترة النزوح، لكن معظم المشاركين عبّروا عن شعور بأن الاستجابة انحسرت بعد العودة، في وقت اتسعت احتياجاتهم لتشمل ترميم المنازل، وتأمين بدل الإيجار، وإزالة الركام، وإعادة تشغيل الخدمات، واستعادة مصادر الدخل.
وعند سؤال المشاركين عن المساعدة في الترميم أو السكن المؤقت، توح ّ دت الإجابات علّى النفي؛ فقال أحد الشباب: "حتى لا أحد سألنا ولا نحن سألناهم"، وقالت إحدى النساء: "لا، ما حدا سأل". وفي بعض الحالات، اقتصرت المساعدة علّى إرسال عامل من البلّدية لتنظيف الردم والزجاج، وهي خطوة مفيدة لكنها لا تغطي كلّفة الترميم ولا توفّ ر بديلا ً سكنيً ا لمن فقدوا منازلهم. وقد تحدث مشاركون عن زيارات وكشوفات لم يتبعها دعم فعلّي. قالت إحدى المشاركات: "إجوا كشفوا شي أربع مرات وفلّّوا". وتوضح هذه الإفادة أن تكرار تقييم الأضرار من دون متابعة أو نتائج ملّموسة أبقى مسار التعويض والترميم غير واضح بالنسبة إلى المشاركين. وربط بعض المشاركين تأخّ ر التعويضات بهشاشة الوضع الأمني وحالة عدم الاستقرار، فقد نقلّت إحدى النساء ما قيل لها: "الشيكات مطبوعين، بس ما رح نوزعون لأن راجعة الحرب، ما بدنا ندفع مرتين". وبصرف النظر عن دقة هذه المعلّومة، فإن تداولها يعكس غياب الوضوح/الشفافية بشأن مصير التعويضات، ويعمّ ق شعور المشاركين بأن هذا المسار ما زال معلّّقً ا.
وقد ظهرت فروقات في طريقة تناول الرجال والنساء أوضاع السكن. فقد ركز الرجال علّى كلّفة الأضرار وحالة المنازل والقدرة علّى تحمل نفقات الترميم، بينما ربطت النساء المسكن بالاستقرار العائلّي. وحتى ّالمشاركات اللّواتي ع ُ دن إلى منازل صالحة للّسكن، ظل الشعور بعدم الاستقرار حاضرًا لديهن، إذ تحدثن عن إبقاء حقائبهن جاهزة تحسب ً ا للّنزوح مجددً ا. ويُظهر ذلك أن القدرة علّى الإقامة في المنزل لا تعني بالضرورة استعادة حياة مستقرة.
"ما رح نصلّح الآن لنشوف الوضع" تشير هذه الإفادات إلى غياب مسار واضح يربط حجم الضرر بنوع الدعم وموعد الحصول علّيهِ. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى برنامج وطني لإعادة الإعمار والتعافي المبكر، يصنّ ف المساكن بحسب درجة الضرر إلى ثلاث فئات: مهد ّ مة كلّي ً ا، وغير قابلّة للّسكن، ومتضررة جزئيًا.
ويربط كل فئة بنوع مناسب من الدعم، سواء عبر بدل سكن مؤقت، أو منحة عاجلّة للّترميم، أو إعادة بناء. وينبغي أن يترافق ذلك مع إنشاء سجلات بشكل شفاف يتيح لكل أسرة معرفة وضع ملّفها، والجهة المسؤولة عنهِ، والخطوات والمهل المتوقعة.
ولا يمكن أن يقتصر هذا البرنامج علّى إصلاح المنازل، لأن استقرار الأسر يرتبط أيض ً ا باستعادة الأحياء والبلّدات والقرى خدماتها الأساسية. لذلك، ينبغي أن يشمل هذا البرنامج إزالة الركام، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وفتح الطرق وتأمين الإنارة، وإعادة تشغيل المدارس والمراكز الصحية، بما يربط التعافي السكني باستعادة الخدمات والحياة اليومية.
تكشف الدراسة أن عودة السكان لم تترافق مع استعادة الحياة اليومية بالوتيرة نفسها. فقد استعادت بعض البلّدات الكهرباء أو المياه جزئيًا، إلا أن النشاط التجاري وحركة الأسواق ّظلا محدوديـن، والاتصــالات متقطعـة، والوصول إلى الرعايـــة الصحيـــة غيــــر منتظــم، وفــرص العمـــل قلّيلّـــة. لــذلك، وصـــف مشاركون حياتهم بأنـها ناقصة، حتى الذين عادوا للإقامة في منازلهم.
لقد قال أحد المشاركين: "لا يوجد حياة أصلاً "، وقال آخر: "المنطقة ميتة"؛ تلّخص هاتان العبارتان معنى التعافي من منظور السكان: فالحياة اليومية تقوم علّى منظومة مترابطة من السكن والعمل والتعلّيم والصحة والحركة والعلاقات الاجتماعية. وعندما تتعطل عناصر عدة في الوقت نفسهِ، لا يشعر الناس بأنهم عادوا فعلاً .
وأظهرت الإفادات أن ثمّ ة تفاوتًا في التغذية الكهربائية بين القرى؛ فقد رأى مشاركون أن التغذية تحسنت مقارنة بفترة الحرب، لكنهم ربطوا ذلك بانخفاض الضغط نتيجة انقطاع الكهرباء عن قرى أخرى أو دمارها؛ فقال أحدهم: "ما عم يعطوا الضيع المدمرة"، وقالت مشاركة: "التغذية الكهربائية انقطعت عن كتير مناطق، عم يعطوها لهون". وهذا يعني أن التحسن المحلّي قد يخفي خلّلا ً أوسع في توزيع التغذية.
أما بالنسبة إلى الشباب، فقد ارتبطت الحياة اليومية بالأصدقاء والحركة والدراسة والعمل والترفيهِ؛ إذ قال أحدهم: "أنا بعمر عشرين سنة، الحياة هي أن تكون مع أصدقائك... ولكن حاليًا لا يوجد شيء"؛ تعكس هذه العبارة أن التعافي بالنسبة إلى الشباب يتجاوز تلّبية الاحتياجات الأساسية ليشمل استعادة حياتهم الاجتماعية وما يرتبط بها من شعور بالمستقبل. أما كبار السن، فركزوا علّى القلّق الأمني، وتوتر الأسرة، وتراجع الحركة الاقتصادية، حيث قال أحدهم: "زوجتي وأولادي عم يضلّوا متوترين وخايفين"؛ وقد ربطوا صعوبة الحياة اليومية باستقرار الأسرة والدخل والقدرة علّى الاستمرار.
أما حول تأمين المياه، فقد جاءت الإجابات متباينة، حيث قال بعض المشـاركين أنها متوفـــرة، فيمـا قالـــت مجموعــة من النساء: "ما في مياه من الأساس". يكشــــف هذه التبايــــن أهميــــة التقييـــم علّـــى مســـتوى الحي والبلّدة، لا الاكتفاء بمؤشرات عامة.
وبقيت الاتصالات والإنترنت غير مستقرّين، وهذا أمر لا يقتصر أثره علّى التواصل الشخصي؛ فالاتصالات ضرورية للّعمل والتعلّيم والوصول إلى المعلّومات والخدمات المالية. وقال مشاركون ثمّ ة شبكات لا تعمل في أحيائهم، ووصف آخرون خدمة الإنترنت بأنها ضعيفة.
أما الوصول إلى الدواء والطبابة، فكان متاحً ا جزئيًا. هذا وتحدث مشاركون عن نقص بعض الأدوية، وعدم توفر جميع الاحتياجات في الصيدليات. أما الوصول إلى أطباء فكان يوجب التوج هِ إلى صيدا أو إلى بيروت. تزداد خطورة هذا الأمر علّى كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، لا سيما مع اضطرار بعضهم إلى التنقل خارج المنطقة للّحصول علّى رعاية صحية.
أضف إلى ذلك أن ّ الأسواق التجارية لم تعد إلى نشاطها الطبيعي، لا سيما في المناطق الأكثر تضرّرًا؛ واقتصر نشاطها علّى محال الغذاء والصيدليات وبعض الخدمات الأساسية، فيما ظل نشاط بقية المحال والورش الصناعية محدودً ا؛ فقد قال أحد الشباب في معرض حديث هِ عن سوق النبطية: "إذا أردنا التسوق نذهب إلى صيدا"، وهذا ما يدفع الأسر إلى إنفاق جزء من احتياجاتها خارج المنطقة، الأمر الذي يبطئ تعافي الأسواق والمؤسسات المحلّية.
لا تقتصر أهمية الأسواق التجارية علّى توفير السلّع وحسب، فهي مصدر للّعمل ومؤشر علّى استعادة الحركة في البلّدات أيضً ا. لذلك ينبغي أن تشمل عملّية إعادة الإعمار برنامجً ا لإعادة فتح الاً سواق والورش والمؤسسات الصغيرة، بالتوازي مع ترميم المساكن.
من هنا، يبدو أن استعادة الحياة اليومية تتطلّب التعامل مع الخدمات بوصفها منظومة مترابطة، لا قطاعات منفصلّة. ويمكن قياس التقدم من خلال انتظام المياه والكهرباء، وفتح المدارس والمراكز الصحية، وإعادة فتح المؤسسات والأسواق، وسهولة الوصول إلى الدواء والخدمات، وهي مؤشرات تعكس واقع الناس بصورة أدق من قيمة الإنفاق وحدها.
تظهر الدراسة أن الحرب خلّّفت أثرًا اقتصاديًا شديد السوء علّى الأسر العائدة؛ فقد توقّ فت أعمال بعض الناس، وتلّفت بضائع في المحال، وتضررت مواسم زراعية، وازدادت المصاريف خلال النزوح، واستُنزفت المدخرات. وعادت أسر كثيرة إلى بلّداتها بموارد أقل وقدرة محدودة علّى ترميم منازلها أو إعادة تشغيل أعمالها.
قال أحد الشباب: "الثلاثة مداخيل (التي تحص ّ لّها أسرتهِ) والتي نصرف منها توقفت بالحرب"؛ وقال آخر: "لا يوجد دخل أصلاً "، وهذا ما يشير إلى أن ثمّ ة أسرًا فقدت مصادر دخل عدة في وقت واحد، في وقت ارتفعت كلّفة النزوح نتيجة الإيجارات، والكهرباء والمياه والنقل.
لقد اعتمدت أسر كثيرة علّى مدخراتها، وعلّى مساعدة الأبناء والأقارب، وتحويلات المغتربين، أو الرواتب الثابتة لمن استمر دخ لّ هِ من عملّهِ؛ قالت إحدى النساء: "بنتي عم تساعدنا"، وقالت أخرى: "بناتي عم يشتغلّوا". هذا ولجأت أسر إلى بيع ما تملّك هِ من ذهب، وإلى تأجيل بعض الالتزامات، منها النفقات المدرسية، ما زاد الأعباء المتراكمة علّيها. وعلّى الرغم من تمكن بعض الأسر من تغطية الحد الأدنى من نفقاتها فترة محدودة، فإن اعتمادها المستمر علّى المدخرات والدعم العائلّي يضعف قدرتها المالية مع مرور الوقت. ومع تراجع هذه الموارد، تصبح قدرة الأسر علّى تغطية نفقاتها الأساسية محدودة.
إلى جانب التعويضات، شد ّ د المشاركون علّى أهمية توفير فرص عمل، ودعم الزراعة، وإعادة فتح المؤسسات الصغيرة والأسواق. وتعكس هذه المطالب رغبتهم في استعادة مصادر دخلّهم والعودة إلى الإنتاج، إلى جانب حاجتهم إلى الدعم العاجل. وقال أحدهم أن الاستثمارات أفضل "لأنها بتجيب الشغل"، فيما رأى آخر أنها تمنح الشباب فرصة للّبقاء في البلّد.
وقد برز موضوع العمال المياومين أيضً ا، بوصفهم أكثر الفئات العاملّة هشاشة؛ فوصف أحد المشاركين خلال الجلّسات النقاش وضعهم بالقول: "صاحب الدخل اليومي إذا ما اشتغل ما بيقدر يعيش"؛ فدخلّهم يرتبط بتوفّ ر العمل يومً ا بيوم، ويتوقف فور إغلاق الأسواق والورش أو تراجع نشاط البناء والزراعة.
فضلا ً عن ذلك، فقد تضرر أصحاب المؤسسات الصغيرة من تلّف البضائع وتراجع عدد الزبائن وعدم القدرة علّى إعادة شراء غيرها؛ وقد يعني تضرّر محل صغير فقدان أسرة كاملّة مصدر دخلّها الأساسي. لذلك، ينبغي أن ًتشمل برامج التعافي منحً ا صغيرة سريعة، وتمويلا ميسرًا، لإعادة فتح المحال واستئناف النشاط التجاري.
أمّ ا الزراعة فقد برزت بوصفها أحد القطاعات الأكثر تضررًا، حيث تضرّرت المواسم، وتراجعت قدرة عدد من المزارعين علّى مواصلّة الإنتاج؛ يقول أحد المشاركين: "درجة أولى المزارعون، راح كل شيء". إضافة إلى ذلك، وتحتاج استعادة النشاط الزراعي إلى دعم المزارعين لاستئناف الإنتاج والوصول إلى الأسواق، إلى جانب دعم الأنشطة والمشروعات المحلّية المرتبطة بهذا القطاع.
لقد كان الشباب أكثر الفئات تعبير ً ا عن القلّق من ضياع المستقبل، فتحدث بعضهم عن ترك الجامعة، أو نقل أعمالهم، أو الهجرة... وقال أحد الشباب: "عم أخسر حياتي، وخصوص ً ا بعمري العشرين، ولا يمكنني الدراسة بهذه الظروف". توضح هذه الإفادة كيف يدفع تعطل الدراسة والعمل بعض الشباب إلى إعادة النظر في مستقبلّهم وفي إمكان البقاء في الجنوب.
هنا لا بد من الإشارة إلى مسارين متوازيين: دعم عاجل يساعد الأسر علّى تلّبية احتياجاتها الملّحّ ة، واستثمارات محلّية تعيد تشغيل المؤسسات والأسواق التجارية وتوفر مصادر دخل أكثر استدامة. وهنا يمكن ربط جزء من الإنفاق علّى إعادة الإعمار بالتشغيل المحلّي، من خلال تدريب الشباب، وتشغيل العمال المحلّيين، وإسناد بعض الأعمال المناسبة إلى المؤسسات الصغيرة، مع ضمان الشفافية والجودة؛ فمن شأن ذلك إبقاء جزء من الإنفاق داخل المناطق المتضررة ودعم تعافيها الاقتصادي.
إن بقاء الأسر في بلّداتها يرتبط بتعافي الاقتصاد المحلّي؛ إذ يتطلّب الاستمرار فيها فرص عمل ومصادر دخل، إلى جانب ترميم المنازل. لذلك، ينبغي أن يشمل قياس التعافي استعادة مصادر الدخل وفرص العمل ونشاط الأسواق، إلى جانب إعادة البناء.
أظهرت النقاشات أن احتمال النزوح من جديد ما زال حاضرا في وعي معظم المشاركين، بمن فيهم الذين عادوا إلى منازلهم. فقد بات الاستعداد للّمغادرة جزءا من حياتهم اليومية، وتكررت عبارات مثل "أكيد"، و"مجهزي حالي للّنزوح"، و"بعدني أصلا ً نازح تقريبًا" عند السؤال عن احتمال المغادرة مجددً ا.
"أنا يمكن ضل بالبيت، ما في محل روح علّيه" يرتبط هذا الخوف بتجربة النزوح السابقة، بما رافقها من أعباء. فقد تذكّ ر المشاركون صعوبة إيجاد مأوى وكلّفة الإيجار، وضيق السكن، وشعور بعضهم بأن بعض المناطق لم تعد راغبة في استقبال النازحين؛ فقد قال أحد الأشخاص: "عندي قلّق من البهدلة"، وهذه عبارة تجمع بين الخوف من الخطر ومرارة تجربة النزوح نفسها.
ثم ّ ة أسر ميسورة أبقت علّى المساكن التي ويستدعي احتمال تجدّد النزوح، إذا حصل، وضع خطة استأجرتها خلال فترة النزوح تحسّ ب ً ا للّحاجة إليها مجددً ا، وطنية واضحة تشمل مراكز استقبال لائقة، وتأمين الطرقات، ودعمً ا للإيجار، وتدابير تراعي الفئات الأكثر غير أن استمرار هذا الخيار يظل ّ مرهون ً ا بقدرتها علّى هشاشة، وقواعد واضحة لتوزيع المسؤوليات بين تحم ل كلّفة الإيجار. في المقابل، لم يكن لدى الأسر التي الوزارات والبلّديات والمنظمات المعنية.
استنزفت مدخراتها بديل واضح؛ فقد قالت إحدى النساء: "أنا يمكن ضل بالبيت، ما في محل روح علّيهِ"؛ وهذا يشير إلى تفاوت في قدرة الأسر علّى تأمين مكان بديل في
حال تجدد النزوح. لقد شملّت الخطط البديلّة أيضً ا نقل مكان العمل، أو البحث عن عمل في منطقة آمنة، أو الاستقرار خارج الجنوب، أو الهجرة؛ فقد قال أحد الشباب: "لدي خطة امتدت تبعات الحرب إلى علاقة العائدين بالمؤسسات نقل عملّي إلى منطقة النزوح"، وقالت إحدى النساء:
وإلى الروابط داخل المجتمع المحلّي. وبرز ضعف الثقة "عم فكر أنقل شغلّي علّى صيدا". بهذا يكون النزوح قد في تقييم المشاركين للاستجابة الرسمية، ومخاوفهم أعاد تشكيل قرارات الأسر بشأن العمل ومكان الإقامة من المحسوبيات وتأخر التعويضات، وتفضيل بعضهم والمستقبل.
طلّب الدعم من جهات رأوا أن إجراءاتها أكثر شفافية. لذلك، يرتبط التعافي أيض ً ا بقدرة المؤسسات علّى وقد غيّ رت التجربة نظرة بعض الشباب إلى تحقيق نتائج ملّموسة ضمن إجراءات واضحة ومنصفة. مستقبلّهم، وباتت الهجرة خيارًا مطروحً ا لدى بعضهم، حيث قال أحد المشاركين: "بحياتي لم أكن أفكر بالهجرة، وكان تقييم مؤسسات الدولة سلّبيً ا في معظم ولكن حاليً ا أفكر بترك الجامعة والذهاب"؛ تعكس هذه المجموعات؛ إذ تكررت عبارات مثل: "ما في دولة" العبارة تراجع الثقة في إمكان بناء المستقبل في و"الدولة علّينا مش معنا". وفي المقابل، عبّر شباب المنطقة.
عن موقف أقل حدة، فقالوا أن الدولة "عم تجرب". وعلّى الرغم من هذا الانتقاد، فإن الدولة بقيت في نظر وقد طاول التفكير في المغادرة كبار السن أيضً ا، المشاركين الجهة المسؤولة عن توفير الأمن، واستلام حيث قال رجل ستيني: "أنا عمري ستين سنة وبدي فل"؛ ملّف إعادة الإعمار، وتنظيم التعويضات، وإعادة الخدمات.
وقد دفع ما راكمت هِ التجربة من تعب بعض كبار السن إلى أم ّ ا استعادة الثقة فتبدأ بخطة واضحة، ومعايير معلّنة إعادة النظر في البقاء. للّتعويض، ومعلّومات دورية، وآلية تتيح للأسر متابعة ملّفاتها والاعتراض عند الحاجة. ثمّ ة نساء مشاركات ربطن النزوح المتجدد بالتعب النفسي وصعوبة إعادة ترتيب الحياة؛ إذ قالت إحدى الفتيات: "أنا بعد ما استقريت لحتى انزح"، وقالت أخرى:
تظيت الجهات "لوين هل المرة بدي فل؟". يرتبط الخوف هنا من المانحة والأمم الاضطرار إلى بدء حياة جديدة، بعد كل ما تطلّب هِ التأقلّم المتحدة بثقة نسبية والعودة من جهد. لدى بعض المشاركين يتطلّب تثبيت العودة وقفً ا فعلّيً ا ومستدامً ا للأعمال الحربية، إلى جانب توف ّ ر فرص العمل والسكن والخدمات والثقة في المؤسسات. وفي ظل عدم توفّ ر هذه ا أمتقييم البلّديات فقد جاء متفاوتًا؛ إذ ثمّ ة المقومات، سيظل خيار المغادرة قائمً ا لدى أسر كثيرة.مشاركون أشادوا بفتح الطرق وإزالة الركام، فيما قال آخرون: "البلّدية ما عم تسأل" و"كأن مش موجودين".
ويستدعي هذا التقييم دعم البلّديات بالموارد والقدرات وآليات التنسيق، مع نشر الأولويات والموازنات ولوائح المستفيدين، وتوفير قنوات واضحة للّشكاوى والمتابعة. أما الجهات المانحة والأمم المتحدة فقد حظيت بثقة نسبية لدى بعض المشاركين، بسبب ما نُسب إليها من تنظيم وشفافية، في وقت عبّرت مشاركات خلال جلّسات النقاش عن خشية من تحوّ ل الإشراف الخارجي إلى نفوذ. وأمام هذا التباين، تبرز الحاجة إلى شراكة واضحة الأدوار: تتحمل الدولة مسؤولياتها السياسية والقانونية، وتوفر الجهات المانحة التمويل والخبرة والرقابة، وتشارك المجتمعات المحلّية في تحديد الأولويات.
أما علّى المستوى الاجتماعي، فأظهرت النقاشات تباين ً ا أكبر في تقييم الحرب وأدوار الفاعلّين السياسيين، حيث قال أحد المشاركين: "ناس ضد الحرب وناس مع"، وقالت مشاركة: "حتى في نفس العائلّة يوجد رأيان"، كما أشار بعضهم إلى اتساع مساحة الانتقاد تجاه "حزب اللّهِ" و"حركة أمل"، ووردت في بعض المداخلات انتقادات لإيران. وقال أحد الشباب: "الآن يمكنك أن تعطي رأيك بدون خوف"، فيما وصفت إحدى النساء أثر الخلاف داخل الأسرة بقولها: "العائلّة بين بعض معش تحكي مع بعض". وتوثّق هذه الإفادات ديناميات ظهرت داخل المجموعات المشاركة، من دون أن تمثل المجتمع الشيعي ككل.
إن هذه التحولات تضع التماسك الاجتماعي وحرية التعبير ضمن أولويات التعافي. فالمجتمعات المحلّية تحتاج إلى مساحات حوار آمنة تعترف بالخسائر، وتتيح النقاش من دون وصم أو تخوين. كما يتطلّب ذلك توزيع المساعدات وفق الضرر والحاجة، وبعيدً ا من الانتماء السياسي.
وقد برز لدى النساء والشباب اختلاف في الاحتياجات والأولويات، حيث ركزت النساء علّى الصحة والتعلّيم والمياه والرعاية والضغط النفسي، فيما ركز الشباب علّى التعلّيم والعمل والهجرة والفرص الضائعة. في جميع الأحوال، يستدعي ذلك توفير الدعم النفسي والاجتماعي، والمنح التعلّيمية، وفرص التدريب والعمل، إلى جانب إشراك النساء والشباب في اللّجان المحلّية وفي تحديد أولويات التعافي.
ُمن هنا، يمكن القول إن الثقة تبنى من خلال وضوح الإجراءات وعدالتها وسهولة متابعتها. ويشمل ذلك اعتماد معايير معلّنة للّمساعدة والتعويض، ونشر المعلّومات بانتظام، وإنشاء آليات للّشكاوى والاعتراض، وفصل الدعم عن الانتماء السياسي. وكلّما كانت الإجراءات أكثر وضوحً ا وإنصاف ً ا، تراجع الاعتماد علّى الوساطات والتكهنات، وتعزّز تعاون السكان العائدون مع برامج التعافي.
تقترح الدراسة أن تركز ا لاستجابة في هذه المرحلّة من العودة علّى توفير شروط بقاء الأسر في مناطقها واستقرارها فيها، حيث يُق اس التقدم في هذا المضمار بقدرة الأسر العائدة علّى استعادة مصادر دخلّها، والوصول إلى التعلّيم والصحة والخدمات، والشعور بالأمان، وتراجع حاجتها إلى إبقاء خطط بديلّة للّنزوح.
إن هذه الأو لويات يرتبط بعضها ببعض؛ فالأمن يتيح الترميم والعمل، والخدمات تجعل العودة قابلّة للاستمرار، وتوفر سُ بل العيش يعد موردً ا أساسي ا للّبقاء، فيما تدعم الحوكمة والتماسك الاجتماعي ثقة السكان وقدرتهم علّى مواجهة الأزمات.
تعزيز الأمن والاستقرار يتطلّب تثبيت العودة توفير معلّومات رسمية موثوقة للّعائدين، وخرائط واضحة للّمناطق الخطرة، وآليات فع ّ الة للإنذار والتواصل، إلى جانب معالجة مخلّفات الحرب وتأمين حرية الحركة والوصول إلى الأراضي. ويرتبط ذلك بتواصل رسمي يبيًن المخاطر بدقة، من دون تهويل أو طمأنة لا تستند إلى الواقع.
إطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار يتطلّب مسار إعادة الإعمار خطة وطنية تقودها الحكومة اللّبنانية، تحدد حجم الأضرار، وترتيب الأولويات، وأدوا ر المؤسسات، ومصادر التمويل، والجدول الزمني للّتنفيذ. وينبغي أن تشمل الخطة السكن والبنية التحتية وا لأسواق والمرافق العامة، وأن تتيح للّمجتمعات المحلّية المشاركة في تحديد الاحتياجات ومتابعة التنفيذ.
إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية تشمل هذه الأولوية إعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، وتأهيل الطرق، وفتح المدارس والمر اكز الصحية والصيدليات، ودعم خدمات النقل وإعادة فتح الأسواق المحلّية. وينبغي تحديد الاحتياجات والأعمال ذات الأولوية علّى مستوى البلّدة والحي، نظرً ا إلى التفاوت الكبير في حجم الأضرار وتوفّ ر الخدمات بين المناطق.
تمكين البلديات واتحادات البلديات تحتاج البلّديات واتحادات البلّديات إلى موارد مالية وقدرات فنية وآليات تنسيق منتظمة مع الوزارات والجهات المانحة. وينبغي أن يقترن هذا الدعم بنشر الخطط والموازنات ولوائح المستفيدين، وتوفير قنوات واضحة للّشكاوى والمساءلة، إلى جانب إشراك ممثلّين عن المجتمع المحلّي في تحديد الأولويات ومتابعة البرامج المرتبطة بها.
استعادة سبل العيش وتنشيط الاقتصاد المحلي تتطلّب استعادة سبل العيش الجمع بين مساعدات نقدية عاجلّة للأسر الأكثر تضررًا، ودعم الزراعة والمؤسسات الصغيرة ومصادر الدخل اليومية، وبرامج تشغيل مرتبطة بإعادة الإعمار. وتُعطى الأولوية للأسر الأكثر تضرر ا، وللّشباب والنساء، ولمن فقدوا مصادر دخلّهم أو يعتمدون علّى عمل غير ثابت.
تعزيز الحوكمة والشفافية يتطلّب بناء الثقة اعتماد معايير معلّنة للّمساعدات والتعويضات، وفصل الدعم عن الانتماء السياسي، وإنشاء آليا ت واضحة للّشكاوى والاعتراض والمتابعة. كما ينبغي نشر بيانات دورية عن التمويل والتنفيذ، وتوفير معلّومات تتيح للأسر معرفة وضع ملّفاتها والجهات المسؤولة عنها.
الاستثمار في التماسك الاجتماعي والدعم النفسي والاجتماعي تشمل هذه الأولوية توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين النساء والشباب، وحماية مساحة التعبير، وف تح حوارات محلّية غير حزبية، ودعم المبادرات التي تعزز التعاون بين الأسر والمجتمعات والمؤسسات.
ولمتابعة التقدم، ينبغي اعتماد مؤشرات تتجاوز عدد المنازل المرممة، وتشمل استقرار الأسر، واستعادة مصادر الدخل، وانتظام المدارس والخدمات، وإعادة فتح الأسواق، ومستوى الثقة في المؤسسات، وتراجع نية النزوح والهجرة. ويبقى هذا الإطار قابلا ً للّتحديث مع تغير الوضع الأمني، وتوفّ ر التمويل، ووتيرة العودة.
ويمكن إنشاء منصة مشتركة بين الحكومة والبلّديات والجهات المانحة لنشر البيانات ومتابعة مؤشرات التعافي علّى مستوى المناطق. في جميع مراحل التنفيذ، ينبغي أن يبقى احترام كرامة العائدين أساس ا للّبرامج والسياسات؛ فهم مواطنون لهم الحق في الأمن والسكن والعمل والخدمات، وليسوا عبئ ًا أو طرفا يتحمل مسؤولية الحرب. أضف إلى ذلك أن ّ لغة مؤسسات الدولة والجهات المانحة وطريقة تواصلّها مع الناس تؤثران مباشرة ً في استعادة الثقة وترميمها.
ٍتبيّن الدراسة أن عودة أسر ُكثيرة من السكان إلى بلّداتهم لم تن هِ ِ أزمة النزوح؛ فالتحدي اليوم هو توفير شروط بقائهم واس تقرارهم، بعدما عاد كثيرون من دون أن يستعيدوا الشعور بالأمان أو القدرة علّى العمل والتخطيط للّمستقبل. لذلك، تبقى العودة مرحلّة غير مكتملّة، قد تقود إلى التعافي أو تنتهي بنزوح جديد.
وقد ارتفع عدد العائدين بشكل متزايد، لكن مسار التعافي لا يزال غير مكتمل؛ وي قاس نجاح هِ بقدرة الأسر علّى الاستقرار في منازلها ومجتمعاتها من دون أن يبقى النزوح احتمالا ً قائم ا. وذلك يتطلّب رؤية وطنية متكاملّة تجمع بين الأمن وإعا دة الإعمار والتنمية المحلّية والحوكمة والتماسك الاجتماعي، وتضع كرامة الناس وحقهم في الاستقرار في صلّب السياسات.
أم ّ ا التعافي فيتوقف علّى توفّ ر الأمن والخدمات وسبل العيش وبناء الثقة والتماسك الاجتماعي؛ فقد ترمّ م الأسرة منزلها إذا لم تتجدّ د الحرب، لكنها قد تغادره إذا غابت فرص العمل أو التعلّيم أو الرعاية الصحية... وقد تعود الأسواق التجارية تدريجيًا، فيما يبقى الاستثمار محدودً ا مع استمرار الخوف من الحرب. وحتى مع توفّ ر التمويل، قد يتعثر التنفيذ بسبب ضعف الثقة المؤسساتية وغياب الشفافية.
هذا وتقيس الأسر التعافي من خلال ما تستعيده من حياتها اليومية: ಖّل استقر العمل؟ ಖّل يستطيع أي مريض الوصول إلى المستشفى؟ ಖّل عاد الطالب إلى مدرسته؟ ಖّل تستطيع النساء والشباب الخروج من دون خوف؟ وಖّل توقفت الأسر عن التفكير في النزوح من جديد؟
؟ إن الإجابة عن ಖّذه الأسئلّة ಖّو المؤشر الحقيقي للانتقال من عودة معلّقة إلى تعاف ٍ مستدام.
العربية بيتاس، كوستاس. "اتفاق بين إسرائيل ولبنان علّى تنفيذ وقف لإطلاق النار". رويترح .2026/6/4 . في: https://acr.ps/hBy2Sfo الأجنبية Abou Dargham, Rasha. "WFP and Government of Lebanon Launch Cash Assistance to Conflict-Affected People Amid Spiraling Needs and Mass Displacement." United Nations Lebanon. Press Release. 7/3/2026. at:
https://acr.ps/hBy2SU9 Alrababah, Ala & Marine Casalis. "Understanding Refugee Return: Key Findings, Gaps, and Future Research." th World Bank – UNHCR Joint Data Center. Quarterly Digest on Forced Displacement. 10 Issue. Washington, D.C.
World Bank Group. 2024. at:https://acr.ps/hBy2SEH Bradley, Megan. "The Return of Internally Displaced Persons: Patterns, Possibilities and Gaps in Knowledge." Policy Brief PB-2019-05. Institute for the Study of International Development (ISID). McGill University - Global Governance Lab. 2019.
International Organization for Migration (IOM). "DTM Lebanon — Mobility Snapshot - Round 109 - 23 July 2026." IOM. Lebanon. 23 July 2026. at:https://acr.ps/hBy2T9B دراســـات تموز/يوليو 2026 جادة الجنرال فؤاد شهاب شارع سليم تقلا بناية الصيفي174 ص. ب:11 4965رياض الصلح بيروت1107 2180لبنان ACRPS Beirut هاتف:00961 1 991837 / 8